صبحي الصالح

73

مباحث في علوم القرآن

لا أصل له » « 1 » ، ولا داعي للإطالة بذكر هذا الحديث الباطل ، بل نشير إلى أن موضع الشاهد فيه جواب عثمان لابن عباس ، معلّلا قرن براءة بالأنفال من غير البسملة : « وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة ، وبراءة من آخر القرآن ، فكانت قصتها شبيها بقصتها فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنها منها ، وظننت أنها منها ، فمن ثمّ قرنت بينهما . . الخ » « 2 » . الرأي الراجح المختار إذن أنّ تأليف السور على هذا الترتيب الذي نجده اليوم في المصاحف هو - كتأليف الآيات على هذا الترتيب - توقيفي لا مجال فيه للاجتهاد . على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، رغم هذا التوقيف ، لم يجد من الدواعي ما يحمله على جمع آيات كل سورة في صحائف عدة ، ولا جمع القرآن كلّه بين دفتي مصحف واحد : لأن القراء ومستظهري القرآن كانوا كثيرين ، وكان عليه السلام يترقّب توالي نزول الوحي عليه ، وإمكان ناسخ لبعض أحكامه « 3 » ، فالقرآن كلّه كتب في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير مجموع في مصحف واحد ، فقد أغنى عن ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم كما وقّفهم عليها الرسول ونبّههم إلى مواضعها بتوقيف من اللّه . قال الزركشي : « وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت ، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى اللّه عليه وسلم « 4 » » . وأكثر العلماء على أن جمع القرآن على عهد رسول اللّه لوحظ في كتابته أن تشمل الأحرف السبعة التي أنزل عليها . وسوف نناقش ذلك في فصل « الأحرف السبعة » . وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وينسخ الكتاب

--> ( 1 ) من التعليق على الحديث نفسه ، مسند أحمد ج 1 ص 330 ويستحسن أن يقرأ جميع هذا التعليق فإنه نفيس ، ولا يتسع المقام لذكره . ( 2 ) مسند أحمد ، طبعة شاكر 1 / 331 ( حديث رقم 399 ) وفي الطبعة القديمة ج 1 ص 57 . ( 3 ) الاتقان 1 / 98 والبرهان 1 / 235 . ( 4 ) البرهان 1 / 262 .