صبحي الصالح
72
مباحث في علوم القرآن
قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنّه : هل ذاك بتوقيف قوليّ أو بمجرد استناد فعليّ ؟ » « 1 » . وأما الرأي الذاهب إلى أن الترتيب على قسمين توقيفي واجتهادي ، فلا يستند القسم الاجتهادي فيه إلى دليل صحيح ، وهو على كل حال قسم ضئيل لا يكاد يؤبه له . فإذا قال القاضي أبو محمد بن عطية : « إن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى اللّه عليه وسلم كالسبع الطّول « 2 » والحواميم والمفصّل » « 3 » ، رأى أبو جعفر بن الزبير « 4 » أن القسم التوقيفي لا بدّ أن يكون أكبر من هذا ، وأن القسم الاجتهادي هو الأقل . ويفهم هذا بوضوح من قوله : « الآثار تشهد بأكثر مما نصّ عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف » « 5 » . وهذا القليل الذي يمكن أن يجري فيه الخلاف يعتمد على حديث ضعيف جدا ، بل هو حديث لا أصل له ، يدور إسناده في كل رواياته على « يزيد الفارسي » الذي رواه عن ابن عباس » « 6 » ، ويزيد الفارسي هذا « يذكره البخاري في الضعفاء ، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به ، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن ، الثابتة بالتواتر القطعي قراءة وسماعا وكتابة في المصاحف ، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور ، كأنّ عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه ، وحاشاه من ذلك ! فلا علينا إذا قلنا : إنّه « حديث
--> ( 1 ) البرهان 1 / 257 . ( 2 ) كذا في ( البرهان ) - بضم الطاء وفتح الواو - والشائع أنها ( السبع الطوال ) بكسر الطاء . غير أن الزركشي يقول : الطول بضم الطاء جمع طولى ، كالكبر جمع كبرى . قال أبو حيان التوحيدي : وكسر الطاء مرذول ( البرهان 1 / 244 ) . ( 3 ) البرهان 1 / 257 . ( 4 ) هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير الأندلسي ، صاحب كتب الذيل على « الصلة » كان من النحاة الحفاظ . توفي سنة 807 ( الدرر الكامنة 1 / 84 - 86 ) . ( 5 ) البرهان 1 / 258 . ( 6 ) تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على الحديث رقم 399 في مسند الإمام أحمد ج 1 ص 329 .