صبحي الصالح
71
مباحث في علوم القرآن
كثير من الأحاديث التي تصور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يملي القرآن على كتّاب الوحي ، ويوقفهم على ترتيب الآيات « 1 » . وقد ثبت أنّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورا عديدة بترتيب آياتها في الصلاة أو في خطبة الجمعة بمشهد من الصحابة ، فكان ذلك دليلا صريحا على « أن ترتيب آياتها توقيفي ، وما كان الصحابة ليرتّبوا ترتيبا سمعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ على خلافه ، فبلغ ذلك مبلغ التواتر » « 2 » . وأما ترتيب السور فتوقيفي أيضا ، وقد علم في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يشمل السور القرآنية جميعا ، ولسنا نملك دليلا على العكس ، فلا مسوغ للرأي القائل إن ترتيب السور اجتهادي من الصحابة ، ولا للرأي الآخر الذي يفصّل : فمن السور ما كان ترتيبه اجتهاديّا ، ومنه ما كان توقيفيا . وإذن ، فقول الزركشي : « وترتيب بعضها ليس هو أمرا أوجبه اللّه ، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم ، ولهذا كان لكل مصحف ترتيب » « 3 » لا ينبغي أن يسلّم على علاته ، لأن اجتهاد الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارا شخصيا لم يحاولوا أن يلزموا به أحدا ، ولم يدّعوا أن مخالفته محرمة ، إذ لم يكتبوا تلك المصاحف للناس وإنما كتبوها لأنفسهم ، حتى إذا اجتمعت الأمّة على ترتيب عثمان أخذوا به وتركوا مصاحفهم الفردية . ولو أنهم كانوا يعتقدون أنّ الأمر مفوّض إلى اجتهادهم ، موكول إلى اختيارهم ، لاستمسكوا بترتيب مصاحفهم ، ولم يأخذوا بترتيب عثمان . ثم إن الزركشي نفسه يرى أنّ « الخلاف يرجع إلى اللفظ » بين القائلين بالتوقيف والقائلين بالاجتهاد في ترتيب السور ، ويستدل على ذلك بقول « الإمام مالك : إنما ألّفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مع
--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال صحيح البخاري : كتاب تفسير القرآن الباب الثامن عشر ، وكتاب الأحكام الباب السابع والتسعون ، ومسند أحمد 3 / 120 و 4 / 381 . ( 2 ) الاتقان 1 / 105 . ( 3 ) البرهان 1 / 262 .