صبحي الصالح

60

مباحث في علوم القرآن

اقتصادية في المتاجرة بها ، ومن منافع ظاهرية في حمرة الخد التي توهم الصحة الحسنة ، ومن منافع اجتماعية فيما تدفع إليه من السخاء والجود في حالة السكر والعربدة ، أو من الشجاعة التي تبلغ أحيانا حد التهور في ساحة الحرب ، فإن إثمها أكبر من نفعها ، فتلك علة كافية لتحريمها . فكانت الخطوة الأولى تحريكا للمنطق التشريعي في نفوس المسلمين ، ثم تبعتها الخطوة الثانية بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » « 1 » فضيّق عليهم الفرصة لمزاولة السكر ، لأن الصلوات الخمس كانت قد شرعت في أوقات متقاربة لا يكفي ما بينها للإفاقة من نشوة الخمر . حتى إذا أصبحت فرص السكر نادرة بطبيعة الحال حرّم اللّه عليهم الخمر في لهجة قاطعة جازمة فقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » « 2 » ، فقالوا : انتهينا ، وانتهوا حقيقة ، وأصبحوا ينتظرون حدود اللّه في شارب الخمر ، ويخجلون أن يصل الأمر بأحد المسلمين إلى أن تقام عليه هذه الحدود ! وهكذا تدرج الوحي مع النبي يربّيه ويعلمه ويهديه حتى « كان خلقه القرآن » كما تقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، وتدرج في تربية المؤمنين ، فلم يزين قلوبهم بحلية الإيمان الصادق ، والعبادة الخالصة ، والخلق السمح ، إلا بعد أن مهّد لذلك بتقبيح تقاليدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة شيئا فشيئا ، وساعدهم نزوله المنجم على حفظ آياته في الصدور ، كما قوّى من عزائمهم في الشدائد ، فكان دستور حياتهم علما وعملا ، وكان المدرسة الصالحة التي جعلت منهم رجالا وأبطالا . ولعل ابن عباس في قوله « نزله

--> ( 1 ) سورة النساء 42 . ( 2 ) سورة المائدة 94 .