صبحي الصالح

61

مباحث في علوم القرآن

جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم » « 1 » عند تفسيره قوله تعالى : « وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ « 2 » » إنما كان يومئ إلى هذا النوع من التربية السامية التي أتاحها للمؤمنين نزول كتابهم منجما بحسب الحاجة ، متدرجا مع الوقائع والأحداث . أراد القرآن مثلا - على الصعيد التربوي - أن يحطم العصبية الجاهلية الرعناء ، وأن يستبدل التقوى بتفاخرها بالآباء ، فمهّد لذلك برفع العبيد الأرقّاء إلى مقام السادة الأحرار : إن بلالا الحبشي الأسود ليرقى ظهر الكعبة ويؤذن يوم الفتح ، فيقول المشركون مستنكرين : « أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة » ؟ ! فتنزل على قلب النبي آية تضع الموازين القسط للأشخاص والقيم والأشياء : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » « 3 » . وعلى الصعيد الاجتماعي ، أراد الإسلام أن يحفظ على هذه الأمة اعتدالها وتوازنها ، وأن يجعلها وسطا في عقائدها وأخلاقها ، وعباداتها ومعاملاتها ، فمهّد لذلك بتصحيح مقاييسها ودعوتها إلى ما يحييها . فلما اتفقت جماعة من الصحابة على « أن يجبوا أنفسهم ، ويعتزلوا النساء ، ولا يأكلوا لحما ولا دسما ، ويلبسوا المسوح ، ولا يأكلوا من الطعام إلا قوتا ، ويسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان » أنزل اللّه لتقويم هذا الانحراف عن دواعي الفطرة قوله الكريم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » « 4 » . ومن عجائب الإيحاء التعبيري في القرآن أن انحراف أولئك الصحابة شبّه في الآية بالاعتداء والعدوان ! أما الصعيد النفسي فيكاد القرآن فيه يخاطب كل نفس على حدة ، متناولا

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني والبزار من وجه ، وابن أبي حاتم من وجه آخر ( انظر الاتقان 1 / 18 و 1 / 71 ) وستجد في ( مبحث أسباب النزول ) بيانا مفصلا لهذا كله . ( 2 ) سورة الفرقان 33 . ( 3 ) الحجرات 13 . وقارن بأسباب النزول للسيوطي 122 . ( 4 ) المائدة 87 - 88 . وقارن بأسباب النزول 57 .