صبحي الصالح
51
مباحث في علوم القرآن
أنّه تعالى ابتدأ إنزاله في « ليلة مباركة » « 1 » ، ووصف هذه الليلة بأنها « ليلة القدر » وهي إحدى ليالي رمضان ، كما في قوله : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » « 2 » ، ثم استمر نزوله نجوما بعد ذلك ، متدرجا مع الوقائع والأحداث . ولسنا نميل إلى الرأي القائل : إن للقرآن تنزلات ثلاثة ، الأول إلى اللوح المحفوظ ، والثاني إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، والثالث تفريقه منجما بحسب الحوادث ، وإن كانت أسانيد هذا الرأي كلها صحيحة « 3 » ، لأن هذه التنزلات المذكورة من عالم الغيب الذي لا يؤخذ فيه إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنّة ، فصحّة الأسانيد في هذا القول لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده ، فكيف وقد نطق القرآن بخلافه ؟ ! إن كتاب اللّه لم يصرح إلا بتفريق الوحي وتنجيمه ، ومنه يفهم بوضوح أن هذا التدرج كان مثار اعتراض المشركين الذين ألفوا أن تلقى القصيدة جملة واحدة ، وسمع بعضهم من اليهود أن التوراة نزلت جملة واحدة ، فأخذوا يتساءلون عن نزول القرآن نجوما ، وودّوا لو ينزل كله مرة واحدة . وقد ذكر اللّه اعتراضهم في سورة الفرقان وردّ عليه : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا . وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » « 4 » . على أن القائلين بتنزيلات القرآن الثلاثة لا يفوتهم - بعد بيان حكمة هذا
--> ( 1 ) سورة الدخان 3 . ( 2 ) سورة البقرة 185 . ( 3 ) انظر الاتقان 1 / 68 . ويظهر أن الجمهور كان يجنح إلى هذا الرأي . فالزركشي في « البرهان 1 / 229 » يقول في هذا الرأي : إنه أشهر وأصح ، وإليه ذهب الأكثرون » . وابن حجر في « فتح الباري » يصفه بالرأي « الصحيح المعتمد » . ونحن مع ذلك لم نأخذ به لمخالفته صريح القرآن كما أوضحناه أعلاه . ( 4 ) سورة الفرقان 32 - 33 .