صبحي الصالح
45
مباحث في علوم القرآن
العلماء بالنصرانيّة ومن أقارب السيدة خديجة لقيه في مكة على أثر نزول الوحي عليه أول مرة . وكل الذي صحّ في أمر هذين الرجلين أن الرسول لقي أولهما بحيرا وهو ابن تسع سنين ، وقيل : ابن اثنتي عشرة مرة واحدة ، وكان معه عمه أبو طالب وقال هذا الراهب لعمه : سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم ؛ وأنّه عليه السلام لقي الثاني ورقة عقب إخباره خديجة بما رآه في غار حراء ، فقد انطلقت به إلى ورقة ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا بن عم اسمع من ابن أخيك : فقال له ورقة : يا بن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس - أي أمين الوحي - الذي نزّل اللّه على موسى . ولم يلبث ورقة أن توفي « 1 » . حسبنا - لتفنيد هذين الزعمين - أن نتذكّر أن النبي الكريم لم يلق الرجلين سرا في خفاء ، بل كان معه في كل مرة رفيق ، فقد شهد أبو طالب لقاءه لبحيرا ، وشهدت خديجة لقاءه لورقة ، فما عسى أن يكون النبي تعلّم في هذين اللقاءين من علوم الغيب والتاريخ ؟ ولا حاجة بنا إلى تجشيم أنفسنا عناء الرد على مبالغات بعض المستشرقين حول كثرة اليهود والنصارى بمكّة ، فقد رد عليهم من بينهم باحثون منصفون أكّدوا أن من الحمق التهويل في هذا الشأن ما دام الرسول الكريم لم يلق أحبار اليهود ولا رهبان النصارى ، ولم يثبت اتصاله بهم . وأهون من هذا كلّه ما يعرّض به الشكاكون المرتابون إلى القوافل التجارية في رحلتي الشتاء والصيف ، وما كانت تحمله - بزعمهم - من أخبار الأمم الماضية وقصص الملل الخالية : فما عهدنا تجار العرب يعنون بلقاء الأحبار ومجالسة رجال « اللاهوت » « 2 » . أما محمد نفسه فلم يذهب إلى الشام إلا مرتين : أولاهما في طفولته مع عمّه كما أسلفنا ، والأخرى في تجارة
--> ( 1 ) البخاري ، بدء الوحي 1 / 7 . ( 2 ) الوحي المحمدي 86 .