صبحي الصالح

46

مباحث في علوم القرآن

لخديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة ، ولم يتجاوز عليه السلام سوى مدينة بصرى في كلتا الرحلتين القصيرتين ، فأين يذهب العقلاء بعقولهم ؟ وأنّى يؤفكون ؟ بعد أن وضح النهار لذي عينين ، لم يكن بد من أن يسفه القرآن تلك الأحلام الطائشة جميعا ، ويقول بلهجة قاطعة حاسمة : « وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ ، لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » « 1 » . * * * أما أخيلة الشاعر أو سبحات الأديب فقد نسبها بعض العرب إلى الرسول الأمين حين راع القرآن الأمين خيالهم بصورة الحيّة ، ومشاهده الشاخصة ، وألفاظه الموحية ، وفواصله الشافية ، وألحانه العذاب ، فقالوا : شاعر نتربص به ريب المنون . ولا شك أن الفصحاء فيهم عرفوا أن ليس في القرآن شيء من الشعر ، وأن أسلوبه يعلو ولا يعلى ، وما هو بقول بشر حتى قال قائلهم : « إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمغدق ، وإن أسفله لمثمر ، وما هو بقول بشر » . إلا أن القرآن ظلّ يتحداهم بمعارضته ، ويطاولهم في المعارضة ، حتى اضطرهم إلى الهزيمة أمام تحديه ، فلم يجدوا ما يشفون به غليلهم إلا أن يقولوا : شعر أو سحر مبين . تحداهم أول الأمر أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وهو جميعه كلام اللّه ، ومن أصدق من اللّه قيلا ؟ فقال لهم في سورة الطور : « أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ؟ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ » . ثم تنازل لهم عن التحدي بجميع القرآن الصادق الذي لا يخالف الواقع في شيء إلى التحدي بعشر سور مثله ، ولو كانت مفتريات لا أصل لها ولا سند ، فقال في سورة هود :

--> ( 1 ) يونس 37 .