صبحي الصالح
44
مباحث في علوم القرآن
الرجل أعلن من فوره إسلامه . أما إنّه لا يبتّ في أخبار الغيب إلا مجازف يعبث أو مؤمن ذو يقين ، وما عرف الناس في رسول اللّه مخايل المجازفين ، ولا ملامح المفترين ، فلا بد أن يكون من الموقنين الصادقين . بيد أن طائفة من العرب افترضوا أن يكون أحد من البشر قد علّم النبي القرآن ، فالتمسوا مصدر الوحي خارج الذات المحمدية ، ولم يجرءوا - وهم الأميون - على دعوى تعلمه من أحد منهم ، فقد أدركوا بالفطرة أن الجاهل لا يعلّم الناس شيئا . وإذا هم يهتدون إلى معلم لمحمد ، فمن كان ذاك المعلّم الكبير ، والمرجع العلمي الخطير ؟ غلاما روميّا أعجميّا نصرانيّا يشتغل في مكّة قينا « حدادا » يصنع السيوف ، وكان - على عاميته - ملما بالقراءة والكتابة ولو لم يعلم الكتاب إلا أماني ، وربما بدا للنبي أحيانا أن يقف عليه يشاهد صنعته ، فما أنسبها فرصة ليقول العرب الأميون : هذا هو معلمه « إنما يعلمه بشر » وما أنسبها فرصة ليرد القرآن على أحلامهم الطائشة هذا الرد البديهي المتوقع ، والمؤثر المقنع : « لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » « 1 » . فلما أسقط في أيديهم ، ووجدوا أن لا قبل لهم بتعيين معلم محمد ، آثروا أن يرفعوا دعواهم ضدّ مجهول « وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا « 2 » . وبهذا رسم العرب الأميون المنهج لمن بعدهم من ملاحدة المثقفين لينطلقوا من دعواهم هذا إلى محاولة تعيين الذي أملى على محمد حقائق الدين وفلسفة التاريخ : فرأى قوم أنّه راهب اسمه بحيرا من أنباع آريوس في التوحيد لقيه النبي في طفولته في سوق بصرى بالشام خلال رحلته مع عمه أبي طالب ؛ ورأى آخرون أنّه ورقة بن نوفل من
--> ( 1 ) النحل 103 ( 2 ) الفرقان 5 .