صبحي الصالح

41

مباحث في علوم القرآن

أما افتراءات المختلق أو تخرصات الكذوب فتردها شهادة العرب أنفسهم لمحمد بالصدق والأمانة ؛ والكذب المفترى لا يلبث أن ينكشف ، ففي أي شيء كذب النبي ؟ في أخبار الغيب أم أخبار الماضي أم أخبار المستقبل المحجوب ، وهل كانت ثقافة العرب المحدودة تسمح لهم بأن يكونوا في هذا الصعيد حكما على الكاذبين أو الصادقين ؟ لقد وصف القرآن نشأة الخلق الأولى ومصيره المحتوم ، وفصّل نعيم الآخرة وعذابها الأليم ، وأحصى عدة أبواب جهنم وعدة الملائكة الموكلين بكل باب ، وعرض هذا كلّه على العرب تحت سمع أهل الذكر وبصرهم ممن أوتوا الكتاب ، وقال : « وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً « 1 » » : فمن أين لمحمد تلك المعارف الغيبية الواسعة في مثل بيئة قومه الأميّين الوثنيّين ؟ هل هبط بها عليهم من كوكب في السماء ، أم جاءهم بها من الشعرى والمرّيخ ؟ ألم يصاحبهم قبل البعثة أربعين عاما فهل ضلّ الآن وغوى ؟ ألم يسمّوه الصادق الأمين ؟ « أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون » « 2 » ؟ فهل من عجب إذا علمه اللّه أن يبكتهم فقال : « قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ، وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » « 3 » . وكأي من خبر ماض قص القرآن به أحسن القصص عن أمم خلت ، وصحح به أخطاء وردت في الكتب السابقة تتناول عصمة الأنبياء ، وفنّد به بعض المغالطات التاريخية ، وصوّر محمدا شاهدا الأحداث كلها ، مراقبا إياها ، كأنّه يعيش في عصرها بين أصحابها . قصّ على نبيّه قصة نوح ثم قال :

--> ( 1 ) سورة المدثر / 3 . ( 2 ) سورة المؤمنون 69 . ( 3 ) سورة يونس 6 .