صبحي الصالح

42

مباحث في علوم القرآن

« تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ » « 1 » ، وفصّل كثيرا من أحوال موسى في مدين ثم قال : « وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ » « 2 » ، ووصف ولادة السيدة مريم ابنها عيسى عليهما السلام وكفالة زكريا لها ثم قال : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » « 3 » ، وأسهب في سرد قصة يوسف وإخوته ثم قال : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ » « 4 » . وكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق في حياة المشركين ورأوه بأم أعينهم ! ألم يستعص أهل مكّة على النبي حتى دعا عليهم بسنين كسني يوسف ، فأصابهم القحط وأكلوا العظام ، وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد « 5 » ، مصداقا لقوله تعالى : « فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ » « 6 » ؟ وانتصار الروم على الفرس من بعد غلبهم ألم يتم في بضع سنين كما قال اللّه : « غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ » « 7 » ؟ ألم تلحق المشركين الهزيمة في بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة تصديقا لآية سورة القمر المكية « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » « 8 » مع أن فكرة التقاء الجمعين لم تكن في مكّة واردة أصلا ؟ وهل أخلف اللّه المؤمنين ما

--> ( 1 ) سورة هود 49 . ( 2 ) سورة القصص 44 - 45 . ( 3 ) آل عمران 44 . ( 4 ) سورة يوسف 102 . ( 5 ) صحيح البخاري عن ابن مسعود 6 / 114 . ( 6 ) الدخان 10 - 11 . ( 7 ) الروم 1 - 3 . ( 8 ) القمر 45 . وقارن بصحيح البخاري 6 / 145 .