صبحي الصالح

40

مباحث في علوم القرآن

وجدير بالذكر هنا أن رجفة فؤاده عليه السلام تشير إلى الرعب الذي اعتراه لأن الوحي نزل عليه فجاءة ولم يكن يتوقّعه ، كما قال تعالى : « وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » « 1 » وكما قال : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا « 2 » » . وليس في رجفة فؤاده أي إيماءه إلى تبرد أطرافه الذي يتبعه عادة شحوب في الوجه واصطكاك في الأسنان ، فلقد كان على العكس ترتفع درجة حرارته ، فيحمر وجهه وتأخذه البرحاء حتى يتفصّد جبينه عرقا ويثقل جسمه - كما رأينا - فيكاد يرضّ فخذه فخذ الجالس إلى جانبه . والتماسه الدثار من خديجة بقوله : « زمّلوني » لا يعني أكثر من لجوئه إلى الفراش ليستجم تحت الدثار ويستريح من أثر المشهد الغيبي المخيف ، والقول الثقيل العنيف ، ولذلك أمره اللّه بعد رجعة الوحي إثر انقطاعه بالوثوب والنهوض لحمل أعباء الدعوة إلى اللّه فقال : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ » ثم قال بعدها : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا » . أما حاله عند تلقي الوحي أول مرة فكانت - كحاله بعد ذلك في كل مرة - خير ما يرام كمال وعي ، ووفرة نشاط ، وقوة أعصاب . فلا مجال قط لاحتمال وسائل تحضيرية يستجمع بها شتات ذهنه ، ولا نوبات عصبية تلم به ، ولا أعراض مرضيّة تعتريه « 3 » . وربما لم نكن أضغاث الأحلام في نظر العرب سوى شطحات الجنون . فلذلك قالوا : « معلّم مجنون » « 4 » وقالوا : « إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ » ، وردّ اللّه افتراءهم مسليا نبيّه فقال : « ن . وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ . ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ » .

--> ( 1 ) سورة القصص 86 . ( 2 ) الشورى 52 . ( 3 ) قارن بالبناء العظيم 71 - 72 . ( 4 ) الدخان 14 .