صبحي الصالح

137

مباحث في علوم القرآن

السيوطي نفسه رحمه اللّه وغفر له ، ولكن يعنينا من لهجة الفخر هذه ما توحي به من إعواز الكتب القديمة حقا ، فلو لا نقص فيها حال دون وفائها بهذا العلم العظيم لما آنس السيوطي وغيره جراءة على رميها بالضعف والإعواز . . . وليت ذاك الإعواز كان موطن الضعف الوحيد في هاتيك التصانيف : إنها لتعجّ حتى بالأخطاء التاريخية ، والمغالطات المنطقية ، والمبالغات العجيبة ، والغرائب النادرة ! يقرأ الواحدي مثلا قوله تعالى : « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها ؟ أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » ، فلا يستنتج منه أنه وعيد عام مطلق للذين يستهينون بالمعابد ، ويعطلون الشعائر ، وينتهكون الحرمات ، ويسعون في خراب بيوت اللّه ، بل يقع في خطأ تاريخي فاحش لو كان متعلقا بشخصه هو لهان أمره ، ولكنه يحمله حملا على نص في كتاب اللّه ، وما كان له ولا لغيره أن يحملوا على القرآن خطأ من أخطائهم : فمن عجب أن الواحدي لم يتحرج هنا من أن يذكر رأي قتادة الذي قال : إن الآية نزلت في بختنصر البابلي وأصحابه ، فقد غزوا اليهود ، وخربوا بيت المقدس ، وأعانتهم على ذلك النصارى من الروم « 2 » ، فيذكر اتحاد النصارى مع بختنصر على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر هذا وقعت قبل ميلاد المسيح بست مائة وثلاث وثلاثين سنة « 3 » . ويغتفر للواحدي هذا الخطأ لأمرين : أما أحدهما فهو أنه لم يك معدودا بين المؤرخين ، وأما الآخر فهو أنه لم يختر رأي قتادة بل اكتفى بذكره من غير تعليق عليه كأنّه لا يرى فيه بأسا ، وإن كان قد ذكر قبله تأويلا وبعده

--> ( 1 ) سورة البقرة 114 . ( 2 ) أسباب النزول للواحدي 24 . ( 3 ) قارن بتفسير المنار 1 / 431 .