صبحي الصالح
138
مباحث في علوم القرآن
تفسيرا ، وجاء كلا الأمرين الآخرين محتملا ، ففي التأويل الأول قول ابن عباس من رواية الكلبي : « نزلت الآية في طيطوس « 1 » الرومي وأصحابه من النصارى ، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل ، فقتلوا مقاتلتهم ، وسبوا ذراريهم ، وحرقوا التوراة ، وخربوا بيت المقدس ، وقذفوا فيه الجيف » ، ولا مانع من هذا التأويل في نظر المؤرخين لأن دخول طيطوس بيت المقدس وتخريبها وقع . بعد المسيح بسبعين سنة . وفي التفسير الأخير قول ابن عباس أيضا ولكن من رواية عطاء « 2 » : « نزلت في مشركي أهل مكة ، ومنعهم المسلمين من ذكر اللّه تعالى في المسجد الحرام » ، وابن عباس يشير بهذا إلى قصة عمرة الحديبية ، وربما بدا هذا التأويل للوهلة الأولى أقرب إلى السياق القرآني والتاريخي ، أو ربما بدا على الأقل أكثر احتمالا من حادثة طيطوس ، إذ طال على هذه الأمد فلا مناسبة لأن تكون هي المقصودة بالآية ، ولكن يعترض على هذا التأويل بأن مشركي العرب عمروا المسجد الحرام في جاهليتهم ، وعدوه مناط عزهم وفخرهم ، وما سعوا في خرابه قط ، فلا تقصدهم الآية إلا في ناحية واحدة : وهي منعهم النبي وأصحابه من دخول مكّة في عمرة الحديبية « 3 » . وحتى الخطأ الفاحش الذي ارتكبه الواحدي - جهلا بحوادث التاريخ - يمكن التماس العذر له فيه بحمل قوله على أدرينال الروماني الذي سمّاه اليهود « بختنصر الثاني » ، وقد جاء بعد المسيح بمائة وثلاثين سنة ، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات ، وبنى هيكلا للمشتري على أطلال هيكل سليمان ، وحرم على اليهود دخول المدينة ، وجعل جزاء من
--> ( 1 ) وردت في مطبوعة ( أسباب النزول ص 24 ) ططلوس ، صوابها ما أثبتناه . ومنهم من يسميه « تيتوس بتاءين بدلا من الطاءين . ( 2 ) لا بد أن يلاحظ هنا كيف تضاربت روايتان كلتاهما عن ابن عباس ، إلا أن إحداهما من طريق الكلبي والأخرى من طريق عطاء ! ومن عجب أن ابن عباس نفسه يرى الآية نازلة تارة في الرومان وتارة في العرب ! ( 3 ) ومن هنا رأى الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير المنار 1 / 431 أنه يصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع ، فالذين منعوا مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين . وفي قرن العملين إشارة إلى تساويهما في القبح !