صبحي الصالح
135
مباحث في علوم القرآن
وبقبول خبر الصحابي الذي شهد التنزيل ، والتابعي الذي أخذ عن الصحابي ، فهم أن الغرض من اشتراط صحة الرواية التحقق من وقوع المشاهدة أو السماع للحادثة أو السؤال الذي كان سبب نزول شيء من القرآن . ولعل التحقق من هذه الوقائع جميعا هو الذي حمل العلماء على أن يحصروا الوسيلة لمعرفة سبب النزول في الرواية الصحيحة ، مستبعدين فيها كل محاولة شخصية لإبداء الرأي أو الاجتهاد في مثل هذا الموضوع . وإلى هذا أشار الواحدي بقوله : « ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممّن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلّاب » « 1 » . ثم عرض الواحدي بعد ذلك صورة من تحرج السلف الصالح في القول بأسباب النزول مخافة الكذب على القرآن بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ثم أخذ على العلماء في زمانه تساهلهم في رواية هذه الأسباب ، كأنهم لا يلقون بالا إلى الوعيد الذي أنذر اللّه به كل من افترى على اللّه كذبا ، فقال مساء متألما : « وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا . ويختلق إفكا وكذبا ، ملقيا زمامه إلى الجهالة ، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية » « 2 » ! ولكيلا نسلك في عداد أولئك المخترعين في الدين ، الخائضين في الإفك المبين ، نعترف - كما ندعو علماء عصرنا - إلى الاعتراف بأنّنا جميعا مهما نجدّ في طلاب الروايات الصحيحة التي توصلنا إلى أسباب نزول الكتاب ، لن يكون في وسعنا أن نجمع الآيات كافّة التي وقع نزولها بعد أسئلة أو أسباب . فذلك يلجئنا إلى وضع تصانيف كثيرة تحيط بهذه المعلومات الدقيقة الواسعة بعد تمحيص كل ما ورد فيها من متون وأسانيد . ولقد تعرضت تصانيف القدامى أنفسهم في أسباب النزول للنقد الشديد ، رغم ما اتسم به مؤلفوها من الورع البالغ والحذر العلمي الأمين ، فلن يكون نقد ما نقوله اليوم إلا أشدّ وأقسى ، ولن يكون المأخذ علينا إلا أمر وأنكى
--> ( 1 ) أسباب النزول ( للواحدي ) ص 3 - 4 . ( 2 ) نفسه ص 4 .