صبحي الصالح
132
مباحث في علوم القرآن
وإذ كان بحثنا عن أسباب النزول خاصة ، فإننا لن نعرض لما أنزله اللّه ابتداء غير مبنيّ على سبب من سؤال أو حادثة ، كأكثر الآيات المشتملة على قصص الأمم الغابرة مع أنبيائها ، أو وصف بعض الوقائع الماضية أو الأخبار الغيبيّة المستقبلة ، أو تصوير قيام الساعة أو مشاهد القيامة أو أحوال النعيم والعذاب ، وهي في القرآن كثيرة أنزلها اللّه لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم ، وجعلها مرتبطة بالسياق القرآني سابقه ولاحقه ، من غير أن تكون إجابة عن سؤال أو بيانا لحكم شيء وقع . قال السيوطي : « والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به ، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء . بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك ، وكذلك ذكره في قوله « واتخذ اللّه إبراهيم خليلا » سبب اتخاذه خليلا ، فليس ذلك من أسباب النزول كما لا يخفى » « 1 » . فبحثنا إذن ينحصر في معرفة « ما نزلت الآية أو الآيات بسببه متضمنة له أو مجيبة عنه أو مبينة لحكمه زمن وقوعه » ، وهو ما عبرنا عنه ب « سبب النزول » . وهذا التعريف الذي اصطلحنا عليه يستلزم قسمة ثنائية لآيات القرآن ، لبعضها علاقة بأسباب النزول ، وليس لبعضها الآخر أية علاقة بهذه الأسباب ، فما نقل عن علي وابن مسعود وغيرهما من علماء الصحابة من أنه « لم تنزل آية إلا علم أحدهم فيما نزلت ، وفيمن نزلت ، وأين نزلت » « 2 » ينبغي ألا يؤخذ بمعناه الحرفي حتى ولو أقسم أحدهم على هذا « 3 » ، فإما أنهم يريدون به - على
--> ( 1 ) الاتقان 1 / 53 . ( 2 ) الاتقان 1 / 222 . ( 3 ) وذلك ما نقلوه عنهم حقا ، فعلي كرم اللّه وجهه يقسم - كما رووا عنه - قائلا : « واللّه ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت » . ومثله قسم عبد اللّه بن مسعود ، وإن كان ابن مسعود : يقول : « فيمن نزلت » ، فاجتمع من قسميهما كليهما العلم بنزول الآيات في الأشخاص والأشياء !