صبحي الصالح
133
مباحث في علوم القرآن
طريقة العرب في المبالغة - تأكيد عنايتهم بهذا الكتاب الكريم ، وتتبعهم كل أمر يتصل به ، وإما أنهم يحسنون الظنّ بما سمعوه وشهدوه في عهد الرسول الكريم ، ويودون لو أخذ الناس عنهم كل ما يعرفون حتى لا يذهب العلم بذهابهم وإن كان محتملا عقلا أن يكون أحدهم فاته أن يعرف بنفسه معرفة شخصية سبب نزول آية ما ، ولم يتيسر له أن يعرفها إلا من صحابي آخر ، لكنه عدّ معرفته لها - ولو بالواسطة - علما بها كعلمه بكل ما سمعه بأذنه مباشرة من غير وسيط ، وإما أن الرواة تزيّدوا في نقل هذا عنهم وعزوه إليهم ، فإن في عبارتهم نفسها ضربا من التفاخر بالعلم يصعب علينا تصديق صدوره عنهم وهم الذين ضربت الأمثال بتواضعهم الجم وأدبهم الرفيع في الورع والإحجام عن الفتيا في الدين . هذا ، وقد عرفنا الصحابة منصرفين إلى تلقي القرآن ، مشغولين بجمعه في الصدور والسطور ، وكان كتاب اللّه يستغرق جل أوقاتهم ، كما يملك عليهم كل مشاعرهم ، وكان الوحي ينزل على نبيهم في كل لحظة أو يمكن على الأقل أن ينزل في أي لحظة بالآية والآيات بعد الواقعة أو الواقعات ، فأنّى لأولئك الصحابة الوقت لمتابعة سبب كل آية ! وكيف يتيسر للواحد منهم أن يشهد بنفسه نزول كل آية ، وأن يكون دائما في المكان أو الزمان اللذين نزلت في نطاقهما الآيات ! وإذا اندفع بعضهم إلى حفظ كل ما سمعه أو تقييده ، فهل يجب أن يكون كل ما حفظه وعلمه متناولا كل ما يجب أن يحفظ أو يعلم من أسباب النزول ؟ « 1 » إن المنطق السليم ليحكم بأن أحدهم إنما كان يتكلم على معرفته الدقيقة بما تيسر له سماعه بنفسه ، ولكننا لا نستبعد أن يكون هو نفسه جاهلا بعض هاتيك الأسباب ، مثلما لا نستبعد أن يكون العلماء بالقرآن قد جهلوا الكثير
--> ( 1 ) قارن بما ذكرناه في كتابنا « علوم الحديث ومصطلحه ص 7 » عن صعوبة تقييد الصحابة كل ما حدث به النبي من أحاديث ، فإن الموضوعين متشابهان ، بل يكادان يرتدان إلى موضوع واحد .