صبحي الصالح

131

مباحث في علوم القرآن

بما أخبروه عنه فيما سألهم ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ، ثم قرأ ابن عباس : « وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه » حتى قوله : « يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا » « 1 » فلم يزل الإشكال إلا بمعرفة سبب النزول . ولولا بيان سبب النزول لظلّ الناس إلى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور أخذا بظاهر قوله تعالى في سورة المائدة : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا » « 2 » فقد حكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معديكرب أنهما كانا يقولان : الخمر مباحة ، ويحتجان بهذه الآية ، وخفي عليهما سبب نزولها ، فإنه يمنع من ذلك ، وهو ما قاله الحسن وغيره : لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم ، وقد أخبرنا اللّه أنها رجس ! فأنزل اللّه تعالى : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا » « 3 » . ولولا بيان أسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه في الصلاة إلى الناحية التي يرغبون ، عملا بالمتبادر من قوله تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » « 4 » . ولكن الذي يطلع على سبب نزول الآية يستنتج أنها عالجت حال نفر من المؤمنين صلّوا مع النبي عليه السلام في ليلة مظلمة فلم يدروا كيف القبلة ، فصلّى كل رجل منهم على حاله » « 5 » تبعا لاجتهاده ، فلم يضع اللّه لأحد منهم عمله ، وأثابه الرضى عن صلاته ولو لم يتجه إلى الكعبة ، لأنه لم يكن له إلى معرفة القبلة سبيل في ظلام الليل البهيم !

--> ( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب التفسير 6 / 40 ، تفسير ابن كثير 1 / 436 . الاتقان 1 / 48 البرهان 1 / 27 . ( 2 ) سورة المائدة 93 . ( 3 ) البرهان 1 / 28 ( وقارن بأسباب النزول للواحدي 196 ، وتفسير ابن كثير 1 / 97 ، والاتقان 1 / 53 ) . ( 4 ) سورة البقرة 115 . ( 5 ) أسباب النزول ( للواحدي ) ص 25 .