صبحي الصالح

130

مباحث في علوم القرآن

اللّه لمن جهل أسباب النزول ؟ « 1 » وهل بالغ الواحدي « 2 » حين قال : « لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها ! » « 3 » . وإن التعبير عن سبب النزول ب « القصة » لينمّ عن ذوق رفيع ، ويكاد يشي هنا بالغاية الفنية إلى جانب الغرض الديني النبيل : فما سبب النزول إلا قصة تستمد من الواقع عرضها وحلها ، وعقدتها وحبكتها ، وأشخاصها وأحداثها ، وتجعل آيات القرآن تتلى في كل زمان ومكان بشغف وولوع ، وتطرد السآمة عن جميع القارئين بما توالي عرضه من حكايات أمثالهم وأقاصيص أسلافهم ، كأنها حكاياتهم هم إذ يرتلون آيات اللّه ، أو أقاصيصهم هم ساعة يطربون لألحان السماء ! من أجل هذا كان جهل الناس بأسباب النزول كثيرا ما يوقعهم في اللبس والإبهام ، فيفهمون الآيات على غير وجهها ، ولا يصيبون الحكمة الإلهية من تنزيلها ، كما حدث لمروان بن الحكم حين توهم أن قوله تعالى : « لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ، فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ « 4 » » وعيد للمؤمنين ، فقال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون ! فقال ابن عباس : وما لكم ولهذه ! إنما دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه

--> ( 1 ) أسباب النزول ( للسيوطي ) ص 2 . ( 2 ) الواحدي هو علي بن أحمد ، ويكنى أبا الحسين ، نحوي ومفسر ، توفي سنة 427 ه . ( إنباه الرواة 1 / 19 ) . ( 3 ) أسباب النزول ( للواحدي ) ص 3 . وقال ابن تيمية : « معرفة سبب النزول تعين على فهم الآية . فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب » . وقال ابن دقيق العيد : « معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن » انظر الاتقان 1 / 48 . ويقارب العبارة الأخيرة قول أبي الفتح القشيري : « بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز ، وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا » . انظر البرهان 1 / 22 . ( 4 ) سورة آل عمران 188 .