صبحي الصالح
129
مباحث في علوم القرآن
ومجانبتها » « 1 » ، كأنّه يدعو خلالها إلى إشعال الحرب وتأريث نارها حتى لا يقيم أحد من الفرسان على الخسف « 2 » والهوان . * * * ولئن كانت معرفة جو القصيدة والظروف التي نظمت خلالها تعين على الفهم السديد ، وتسعف بالذوق السليم ، وتواكب الشرح الأدبي جنبا إلى جنب ، لتكوننّ معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها أعون على دقة الفهم ، وأدنى إلى استلهام أرجح التأويل وأصح التفسير . ذلك بأننا من القرآن - إذا أردنا تدبره حقا - تلقاء شيء أسمى من « علم التفسير » : فما تحل أقوال المفسرين كل عقدة ، وما تزيح كل شبهة ، ولا تفصل كل إجمال . ونحن من القرآن أيضا إزاء شيء فوق اللغة وقواعدها وآدابها ، فإن ظلال التعبير في القرآن ، وإيحاءات المفردات في آياته ، وألوان التصاوير في قصصه ولوحاته ، لترتبط أوثق الارتباط بالوقائع الحيّة ، والأحداث النواطق ، والمشاهد الشواخص ، كأن أبطالها ما انفكوا على مسرح الحياة يغدون ويروحون ، فأنّى للشروح اللغوية الجامدة والاصطلاحات البلاغيّة الجافة أن تستطلع في الوقائع يقين أخبارها ، أو تستبطن من الأحداث خفي أسرارها ، وهي أعيا من أن ترجّع في الآذان أصداءها الحلوة العذاب ؟ ونحن من القرآن - آخر الأمر - أمام شيء فوق التاريخ نفسه ، فإن وقفنا على سبب النزول التاريخي لم نكن قد تقصّينا كل شيء ، فما أكذب التاريخ وما أكذب المؤرخين على لسانه ! وكأي في التاريخ من فجوات ينبغي أن تملأ وثغرات لا بدّ أن تسدّ ! أما أسباب النزول - من وجهة النظر الدينية - فليس لنا فيها إلا أن نستوحي الواقع لا صورته ، والإنسان لا شبيهه ، والحق لا صداه ، فهل من عجب إذا حرّم العلماء المحققون الإقدام على تفسير كتاب
--> ( 1 ) العقد ( لابن عبد ربه ) 5 / 220 . ( 2 ) الخسف : الذل والدنية .