صبحي الصالح
128
مباحث في علوم القرآن
ولقد يعتز دارس الأدب بثروته اللغوية وحفظه الشواهد الكثيرة من لسان العرب ، ويفتخر بتمرسه بالدراسة الأدبية وتذوقه أساليب البلغاء ، حتى إذا عرضت عليه قصيدة من عيون الشعر ليحدد الغرض الذي قيلت فيه ، والجو الذي نظمت خلاله ، تلعثم وتردد ، ثم كبا وتعثر ، فزعم أن القصيدة مديح وهي هجاء ، أو غزل وهي عتاب ، أو دعوة إلى السلم مع أنها تحريض على القتال ، أو بها نفس ملحمي وإن أبياتها لتبشّر بالسلام . يقرأ الدارس المتذوق مثلا قول سعد بن مالك : يا بؤس للحرب التي * وضعت أراهط فاستراحوا والحرب لا يبقى لجاحمها التّخيّل والمراح إلّا الفتى الصبّار في ال * نّجدات والفرس الوقاح « 1 » فيؤنس في ألفاظ المقطعة يسرا وسهولة ، فليس فيها ما يحفزه إلى استفتاء معجم ، وإنّه ليكاد يستعجل شرح الأبيات وتحليلها إذا يلفت نظره في أولها لفظ « أراهط » فيراه محتملا الرفع على الفاعلية ، أو النصب على المفعولية ، فهل الأراهط وضعوا الحرب واعتزلوها وآثروا السلامة بعيدا عن ساحات القتال ؟ أم الحرب وضعت أولئك الأراهط ، وحطّتهم ، وأذلّتهم ، حتى استسلموا للعدو وركنوا إلى الدعة والسكون ؟ وهل في مطلع المقطعة إذن تأريث لنار الحرب وتهكم بالذين قعدوا عنها وجانبوها ؟ فيا بؤس لها ، ويا حسرة فيها على القاعدين ؟ ! أفي مطلعها تقبيح للحرب التي تذل الكبرياء ، وتخفض الهام ؟ فيا بؤسها ما أشده ! ويا لسعيرها ما أنكاه ! وما أجدرها أن يستبدل بها السلام ! إن حيرة الدارس لا تطول إذا استطاع أن يتقصى الظروف التي نظم فيها سعد بن مالك « حماسيته » هذه ، فلسوف يرى في غضون الروايات والأخبار أن سعدا « يعرّض هنا بالحارث بن عباد الذي عرف باعتزال الحرب
--> ( 1 ) حماسة أبي تمام ( شروح المرزوقي ) 2 / 500 رقم الحماسية 167 .