صبحي الصالح

115

مباحث في علوم القرآن

بها ألسنتهم في يسر وسهولة « 1 » : وذلك ما لاحظه ابن الجزري حين قال : « وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة ، وإرادة اليسر بها ، والتهوين عليها شرفا لها ، وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها ، وإجابة لقصد نبيّها أفضل الخلق وحبيب الحق » . ويفسر ذلك بقوله : « وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم ، عربيهم وعجميهم ، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم : لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتّى ، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها ، أو من حرف إلى آخر . بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج « 2 » » . وأهمية هذا الوجه الأخير - أعني اختلاف اللهجات - جعلت بعض العلماء يحصرون الأحرف السبعة في أنواع اللهجات ، بينما أغفل آخرون ذكر هذا الوجه إغفالا تاما ، لأنه - على حد قول ابن قتيبة - « ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى ، لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه ، لا تخرجه عن أن يكون واحدا » « 3 » . وفي كلا الرأيين مغالاة ، فالأوجه الستة السابقة على جانب من الأهمية لا يسمح بإسقاطها والاكتفاء بالوجه السابع . كما أن اختلاف اللهجات في أداء بعض الأصوات أمر واقع بين الصحابة ، بل لعله كان أشد أنواع الاختلاف دورانا على الألسنة ، فلا يجوز إغفاله والاكتفاء بأوجه أخرى لا تستقرى بها مختلف ضروب الأداء . وهذا النقص في استقراء الأقدمين للأوجه السبعة قد حملنا على أن نسلك في طريقة استقرائنا لها سبيلا مخالفة لهم جميعا ، فلم نختر مذهب أبي الفضل الرازي « 4 » الذي فضله الزرقاني في « مناهله » على مذهب ابن قتيبة وأبي الخير بن الجزري والقاضي أبي بكر بن الطّيّب

--> ( 1 ) دراسات في فقه اللغة 50 . ( 2 ) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 139 ومن الغريب أن يدافع ابن الجزري عن هذه الفكرة مع أنه لا يذكر اختلاف اللهجات بين الحروف السبعة . ( 3 ) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 154 . وقد رأينا عبارة كهذه منسوبة إلى ابن الجزري في مكان آخر . راجع ص 109 . ( 4 ) هو الإمام الكبير ابن شاذان الرازي المتوفى في حدود سنة 290 ه ( النشر 1 / 179 ) .