صبحي الصالح
116
مباحث في علوم القرآن
الباقلاني « 1 » ، كما لم نختر مذهب واحد من هؤلاء . أما الرازي فلأنّه لم يعرض قط في كتابه « اللوائح » إلى وجه الاختلاف في الحروف ، تخو « يعلمون وتعلمون » ، مع أنه لا يندرج تحت واحد من الأوجه الستة الباقية التي ذكرها ، ثم إنّه جعل اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر وجها خاصا قائما برأسه ، مع أنه يندرج تحت وجه الاختلاف في الإعراب . وأمّا الثلاثة الآخرون فحسبنا لكيلا نسلم بمذاهبهم أنهم جميعا أغفلوا وجه الاختلاف في اللهجات عمليا ، وإن دافع عنه بعضهم نظريّا . ونحن حين نقول : إن الأوجه السبعة التي استقرأناها ، تستقصي كل اختلاف في أداء القرآن ، لا نعني وجوب التزام هذه الأوجه السبعة في الكلمة الواحدة ، فقد يكون في كل كلمة على حدة وجهان أو أكثر ، وقد يكون فيها وجه واحد فقط ، وإنما نقصد أن هذه الأوجه السبعة ترد الاختلافات إلى أحد وجوهها المناسبة حين يتحقق وجود الاختلاف « 2 » . وإذا كنّا نحن قد استطعنا حصر أوجه الاختلاف في سبعة ، فقد وقع لنا ذلك اتفاقا ، بعد أن جمعنا آراء الأقدمين ووفقنا بينها ، وأما الصحابة الكرام الذين نزل القرآن بأحرفه السبعة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم ، يقرئهم بها ، وينبههم إليها ، فكان أكثرهم يومئذ أميّين لا يقرءون ولا يكتبون ، وما كان يتاح لهم أن يحددوا المراد من الأحرف السبعة ، وإنما كانوا يعرفون أن أوجه الخلاف لا تخرج عن سبعة في جميع مفردات القرآن ، وقد اجتمعت عمليا من مختلف قراءاتهم التي أقرهم عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانتهى العلم بها إلينا أحرف القرآن السبعة التي لم نعرفها نحن إلا بطريق الاستنباط والاستقراء .
--> ( 1 ) انظر مناهل العرفان في علوم القرآن ، لمحمد عبد العظيم الزرقاني ، ج 1 ص 148 - 160 ففيه يعرض لآراء هؤلاء العلماء الكبار الثلاثة ، ثم يقارنها برأي أبي الفضل الرازي ويرجحه ويختاره . وابن الجزري في ( النشر في القراءات العشر 1 / 26 - 28 ) يفضل رأيه ثم رأي أبي الفضل الرازي وابن قتيبة . وعنه أخذ الزرقاني من غير عزو إليه . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 223 .