قيس آل قيس
104
الإيرانيون والأدب العربي ( رجال علوم القرآن )
متناثرة تدور حول الأشعار والأمثال والأيام وأساطير تكسوها المبالغة ويحوطها التهويل ، عدا نقوش كتبت بالخط المسند على حوائط المعابد والأديرة وأعمدة الحصون والقصور في الحيرة واليمن ، ثم كانت بعثة سيد الرسل محمد « ص » ، فبدأ المسلمون بتدوين أخباره ومولده ومبعثه وهجرته ومغازيه فكان ذلك العمل اللبنة الأولى في تاريخ الإسلام وكان أول من وضع كتابا في ذلك عروة بن الزبير بن العوام ثم تلاه أبان بن عثمان ، إلى أن بلغ فنّ السيرة أوجه في كتاب ابن إسحاق ، وتعددت المشاهد واطلع العرب على ما لم يكونوا رأوه من عجائب البلاد وحضارات الأمم ، ثم ظهرت الكتب المترجمة عن الفارسية واليونانية . والسريانية ، وكثرت الرحلات بين البلاد ، فوجد العلماء للتاريخ منابع رافدة ومناهل متنوعة ومصادر كثيرة ، وأحسوا أن لعلم التاريخ أثرا في بناء الأمم ، وفهم الثقافات ، وارساء العلوم على قواعد ثابتة ، فوضع الأفاضل منهم أسفارا في التاريخ ، فعل ذلك الواقديّ في كتب الفتوح ، والبلاذري في كتابيه البلدان وأنساب الأشراف ، وابن قتيبة في المعارف ، وابن حبيب في المجبّر ، والدينوري في الأخبار الطوال ، إلى أن انتهى الأمر إلى محمد بن جرير الطبري صاحب الترجمة فوضع كتابه المذكور . ولا نعلم على وجه التحديد التاريخ الذي بدا فيه أبو جعفر الطبري إملاء هذا الكتاب ، ويظهر أنه ألفه بعد كتاب التفسير الآتي ذكره . بدا أبو جعفر تاريخه بذكر الدلالة على حدوث الزمان ، وأن أول ما خلق بعد ذلك القلم وما بعد ذلك شيئا فشيئا ، على ما وردت بذلك الآثار ، ثم ذكر آدم ، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل ، على ترتيب ذكرهم في التوراة ، متعرضا للحوادث التي وقعت في زمانهم ، مفسرا ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم ، معرّجا على أخبار الملوك الذين عاصرهم ، وملوك الفرس على الخصوص ، مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء حتى مبعث الرسول « ص » . أما القسم الاسلامي فقد رتبه على الحوادث من عام الهجرة ، حتى سنة 302 ه ، وذكر في كلّ سنة ما وقع فيها من الأحداث المذكورة ، والأيام المشهورة ، وإذا كانت أخبار الحوادث طويلة جزّأها على حسب السنين ، أو يشير إليها بالاجمال ، ثم يذكرها في الموضع الملائم . وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع ان يجمع بين دفتيه جميع الموادّ الموزعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسّير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال ونصوص الشعر والخطب والعهود ، ونسق بينها تنسيقا مناسبا ، حيث نسب كل رواية إلى صاحبها ، وكل رأى إلى قائلة ، كما أنه أودع هذا الكتاب فصولا ونتفا متنوعة من متون الكتب التي اتت عليها عوادى الأيام ، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده الا في كتابه وأيّا ما كان ، فإن كتاب تاريخ الطبري سيظل بما