الشيخ محمد مهدي الآصفي
99
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
أحلّ الله ، ولا يحرّم غير ما حرّم الله ، ويجعل الإنسان كلمة الله هي العليا في حياته ، وأمر الله ونهيه هو النافذ الحاكم على سلوكه ، يمتثل ما أمر الله تعالى به وينتهي عمّا نهى الله عنه ؛ وهذا هو ( التوحيد ) و ( التقوى ) . ولكن ليس بالضرورة أن يكون كلّ عمله وتحركه وسعيه لوجه الله ، وابتغاءً لمرضاة الله ، فليس ممّا يضر ب - ( التوحيد ) أن يذهب الإنسان إلى السوق ابتغاءً للرزق ، لا ابتغاءً لوجه الله ومرضاته ، وإنّما يضرّ بالتوحيد أن يجعل عامل الرزق حاكماً على سلوكه في عرض حاكمية الله ، ويأخذ بما يتطلّبه الرزق محلّلًا له ، وإن كان في ذلك معصية الله ومخالفته . والخلاصة : أنّ ( التوحيد ) هو أن يقبل الإنسان سيادةَ الله - تعالى - وولايتَه المطلقة على حياته ؛ و ( التقوى ) هو تحكيم سيادة شريعة الله وحدها على سلوكه ؛ فلا يرتكب الإنسان ما ينهى الله عنه ، ولا يترك عمّا يأمر الله تعالى به ، وليس من الضروري في ( التوحيد ) و ( التقوى ) أن يكون سلوك الإنسان كلّه - حتّى في دائرة المباح - لوجه الله وابتغاء مرضاته . 3 - الإخلاص : وهو فوق مرتبة التوحيد ، وتتحقّق هذه الحالة عندما يمحّض الإنسان نفسه وحياته ، وسلوكه كلّه لله ، وابتغاءً لمرضاته ووجهه ، وتستوعب مرضاةُ الله كلَّ حركته ونشاطه وسلوكه ، وتصبغ هذه الغاية ( مرضاة الله ) كلَّ سلوكه ونشاطه وحركته ، أولئك المخلَصون . والإخلاص بهذا المعنى هو الدعوة الثانية للأنبياء بعد دعوة ( التوحيد ) ؛ والإخلاص ليس بمعنى أنّ يعطّل الإنسان نشاطه وسعيه في مناكب الحياة ، في السوق ، والبيت ، والمزرعة ، وساحات الحرب ، والإدارة ، والسياسة ، ولكن بمعنى أن يطوّع الإنسان نشاطه وحركته في هذه الساحات كلّها لله تعالى . ومن السهل أن يعطّل الإنسان شطراً كبيراً من نشاطاته وسعيه ، لئلّا يكون