الشيخ محمد مهدي الآصفي

100

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

سعيه وحركته لغير الله ، ولكن من الصعب أن يطوّع الإنسان نشاطه وحركته كلّها لله تعالى ؛ ودعوة الإسلام هو أن يطوّع الإنسان حركته وسعيه لله ، وليس أن يعطّل الإنسان نشاطه وحركته . وهذان منهجان في التربية الروحية : التعطيل والتطويع . والأوّل منهج سلبي يرفضه الإسلام ، والثاني منهج ايجابي يدعو إليه الإسلام . والطواف يرمز إلى هذا الشأن الصعب في علاقة الإنسان بالله تعالى ؛ ففي الطواف يطوف الإنسان دورة كاملة حول الكعبة ، في هذه الدورة يتحرّك كتفه الأيمن حول محيط دائرة كاملة من الشرق إلى الغرب ، ومن الجنوب إلى الشمال وفيما بين هذه الجهات جميعاً ، ولا تبقى نقطة على هذا المحيط الدائري الشامل إلّا ويقطعه الإنسان بكتفه الأيمن . وهذا المحيط يساوي 0360 ولا نعرف جهة هندسية أوسع وأشمل من 0360 ( أي محيط الدائرة ) . وبينما يتحرّك كتف الإنسان الأيمن حول هذه الدائرة الشاملة يثبت كتفه الأيسر على مركز الدائرة وهو الكعبة ، ولا يحيد عنه ، في كلّ هذه الحركة الدائرية . ولهذا التركيز والتثبيت إلى جانب تلك الحركة الشاملة معنى عميق في حياة الإنسان المسلم ، فإنّ من الممكن أن يقوم الإنسان بكامل النشاط المباح ، الذي يقوم به سائر الناس في مناكب الحياة المختلفة ، دون أن ينحرف حتّى لحظة واحدة عن ابتغاء وجه الله ومرضاته في شيء من ذلك ، فيذهب إلى السوق لله ، ويسعى في مناكب الحياة لله ، ويتزوّج لله ، ويؤمّن معيشة أهله لله ، ويعمل في ميادين السياسة لله ، ويقاتل لله ، ويدافع لله ، وإذا أحبّ أحبّ لله ، وإذا أبغض أبغض لله ، وإذا سرّ سرّ لله ، وإذا غضب غضب لله . فلا تفوت الإنسان في هذه الحركة الواسعة حركة ولا نشاطاً ممّا ينشط له الناس في مساحة المباح ، ولا ينحرف الإنسان في جزء من هذا النشاط الواسع عن