الشيخ محمد مهدي الآصفي

83

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

والميقات يجمع شتات الناس في همّ واحد ، واهتمام واحد ، وزيّ واحد ، وطريق واحد . و « التلبية » هي وسيلة هذا التوحيد ، وفي الوقت نفسه توجّه هذا الحشد البشري الهائل الواحد إلى الله الواحد القهّار . فهي توحّد الإنسان ( الفرد ) وتوجهه إلى الله . وتوحّد الناس ( المجتمع ) وتوجّههم إلى الله . وهذا التحول العظيم يجري في « الميقات » بفعل « التلبية » و « الميقات » ، و « الحرم » وعاء هذا التحول ، و « التلبية » عامل هذا التحول . وغاية الحجّ أن تتحوّل ساحة الحياة كلّها إلى « الميقات » و « الحرم » ، ويكون لكلمة « لا إله إلّا الله » في ساحة الحياة الواسعة نفس الفعل والدور الذي يكون لكلمة « التلبية » في الحج ، وأن ينقل الحجّاج « الحرم » إلى واقع حياتهم في « السوق » . ومن بؤس الناس وشقائهم أنّهم ينقلون « السوق » إلى « الحرم » ، بخلاف ما يريده الله تعالى . إنّ « التلبية » تعيدُ بناء الفرد والمجتمع . وهذا البناء يتمّ على صعيدين : توجيه الناس إلى الاستجابة لله تعالى ، وهو البُعد الأوّل . وتوحيد الناس بهذا الاتجاه ، وهو البُعد الثاني . والبُعد الأول يوحّد شتات هموم الإنسان واهتماماته ، والبُعد الثاني يوحّد شتات مذاهب الناس ومصالحهم وأعمالهم . ويحبّ الله تعالى أن ينقل الحجاج هذه « الوحدانية الموجّهة » إلى حياتهم في الأسواق ، وفي مواقع الحكم والسياسة ، وساحات الصراع . . . ومن عجب أنّ الناس