الشيخ محمد مهدي الآصفي
84
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
ينقلون شتات أهوائهم وميولهم ومذاهبهم إلى « الميقات » و « الحرم » للأسف . ولو أمعنّا النظر في « الميقات » و « التلبية » لقلنا : إنّ الميقات ليس فقط يستقبل شتات الناس ليصهرهم في اتجاه واحد ، واهتمام واحد ، وأسرة واحدة ، وهمّ واحد ، وإنّما ينتزعهم من دنياهم انتزاعاً ليعبد بناءهم الفردي والاجتماعي ، بعد أن شتتتهم الحياة الدنيا إلى آراء ومذاهب ومصالح وهموم . هذا إذا أعطى الحاج نفسه ل - « التلبية » ، وفَعَّلَ « التلبية » في نفسه ، وفتح كلّ قلبه بالتلبية على الله ، ولم يحتفظ لنفسه عند التلبية بشطر من قلبه ، ليعطي الشطر الآخر لله تعالى ، فإنّ القلب السليم لا ينشطر ولا يتعدّد . ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) . والقلب البليد العاطل فقط ينشطر ويتعدّد . وأمارة سلامة القلب توحيد الله ، وأمارة بلادة القلب وعَطَله التعدّد والانشطار . والتلبية توجه القلوب إلى الاستجابة لله ، وتوحّد شتات القلوب في هذه الاستجابة . وهذه هي أبعاد هذا التحول العظيم ، ووعاؤه « الميقات » و « الحرم » ، وعامله « التلبية » . روي عن الإمام الرضا ( ع ) : « إنمّا أمروا بالإحرام ليخشعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه ، ولئلّا يلهو ويشتغلوا بشيء من أمور الدنيا وزينتها ولذّاتها ، ويكونوا جادّين فيما هم فيه ، قاصدين نحوه مقبلين عليه بكليتهم » « 1 » . تأكيد التلبية : لقد ورد في النصوص الإسلامية الاهتمام بتكرار التلبية ، والإكثار منها وترديدها .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة 3 : 9