الشيخ محمد مهدي الآصفي

82

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

تعالى ، ولا يتأتّى له هذا التمحيض إن لم يعرض عن أية دعوة أخرى في هذه الدنيا ، حتى لا تشغله دعوة عن هذه الدعوة ، ولا تصرفه مغريات دعوات الدنيا وعواملها وفتنها عن دعوة الله تعالى لعبادة الله . و « التلبية » تتضمّن هذين المعنيين معاً ، الاستجابة لله ، والإعراض عن غير الله ، والانفتاح على الله والانقلاب عمّا دون الله . الانقلاب الذي يحدث في « الميقات » بفعل « التلبية » : و « التلبية » تفصل الحاج في الميقات فصلًا كاملًا عن دعوات هذه الدنيا ومغرياتها ، وفتنها ، وإثاراتها مرّة واحدة ، ويصبّ الحجاج من كلّ فجّ عميق في الميقات بأزياء مختلفة وهموم كثيرة واهتمامات عديدة ، فيصيغهم الله تعالى في « الميقات » صياغة جديدة وينتزعهم من كلّ رغباتهم ، وهمومهم ، وإهتماماتهم إنتزاعاً كاملًا ب - « التلبية » ، ويمحّضهم للاستجابة لدعوته تعالى ، وينزعهم أزياءهم ، ويوحّد نسكهم ، وزيّهم ، وهمّهم ، وإهتمامهم ، وعملهم ، ومسارهم ، ويَصُبَّهُم في مصبٍّ واحد إلى بيته المحرّم . ومبدأ كلّ ذلك ومنطلقه « التلبية » ، فإنّ التلبية توحّد في نفس الحاج شتات الهموم والاهتمامات والاستجابات والرغبات ، وتوحّد همّهم واهتمامهم ورغباتهم واستجاباتهم باتّجاه الاستجابة إلى دعوة الله تعالى . إنّ « التلبية » تجمع شتات إهتمامات الإنسان في همّ واهتمام واحد ، وتجمع بنفس الطريقة شتات اهتمام الناس وتعدد مذاهبهم في الحياة الدنيا في اتجاه واحد . إنّ الحياة الدنيا تُشَتِّتُ الإنسان إلى هموم واهتمامات شتّى ، وتُشَتِّتُ الناس إلى مصالح ومذاهب شتّى .