الشيخ محمد مهدي الآصفي
123
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
هذه الحركة كلّ الأفق من على الصفا والمروة فلم تجد ماءاً لم تيأس ، وأعادت هذه الحركة ، والصعود والنزول ، والهرولة من الصفا إلى المروة وبالعكس سبع مرات ، ولولا أملها ورجاؤها في رحمة الله ، لانقطع سعيها في الشوط الأوّل ، ولكن الأمل والرجاء الذين كانا يعمران قلبها كانا يدعوانها كلّ مرة إلى إعادة السعي مرة أخرى ، حتى فرّج الله عنهما وفجّر زمزم تحت قدمي إسماعيل ، فإنّ الأمل هنا في الله ، وليس في جهدها في البحث عن الماء ، ولو كان أملها في جهدها في البحث عن الماء لانقطع أملها في المرة الأولى أو الثانية . وقد جعل الله - تعالى - هذا السعي وهذه الحركة شرطاً للرزق ، ونزول رحمته على الإنسان ، والله تعالى يرزق عباده ، وينزل عليهم رحمته ، ولكنه تعالى شاء أن يكون السعي والحركة مفتاحاً لرزقه ورحمته . والمنزل الثالث لرحمة الله تعالى في هذا المشهد : هو دعاء أمّ إسماعيل ، ورجاؤها وثقتها بالله ، وانقطاعها إلى الله ، واضطرارها إليه - عزّ شأنه - في طلب الماء في هذا الوادي القفر غير ذي زرع ، وكلّما انقطع الإنسان في دعائه إلى الله أكثر كان أقرب إلى رحمة الله . ولست أدري في أية حالة من حالات الانقطاع إلى الله ، كانت هذه المرأة الصالحة في تلك اللحظات في الوادي غير ذي زرع ، وليس من انسان أو حيوان حولها ، ووحيدها الرضيع يتلظى عطشاً ، ويكاد أن يلفظ آخر أنفاسه . لقد انقطعت المرأة إلى الله في تلك اللحظة انقطاعاً ضجّت له ملائكةُ الله بالدعاء ، وضموا أصواتهم إلى صوتها ، ودعاءهم إلى دعائها . ولو أنّ الناس كلهم انقطعوا إلى الله بمثل هذا الانقطاع ، لأكلوا من فوقهم ، ومن تحت أرجلهم ، وعمّتهم رحمة الله تعالى . عليكِ سلام الله يا امنا ، أمّ إسماعيل ! من أبنائك الذين آتاهم الله النور والهدى