الشيخ محمد مهدي الآصفي
124
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
والإيمان والنبوة ، ومن المهتدين بهداهم ونورهم . . . لولا ذلك الانفراد في ذلك الواد القفر غير ذي الزرع في هجير الحجاز ، ولولا تلك المعاناة والمحنة لم تنقطعي إلى الله - عزّ وجلّ - بمثل هذا الانقطاع ، في ذلك الموقف العسير على جبلي الصفا والمروة ، ولولا ذلك الانقطاع إلى الله ، لم تنزل رحمة الله تعالى عليكما ، ولولا تلك الرحمة لميكن انقطاعك إلى الله وسعيك بين الصفا والمروة من شعائر الله في الحجّ . ( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ) « 1 » . لقد ثبّت الله - تعالى - يا أمّنا ؛ انقطاعك إليه في ذلك الهجير ، وسعيك إلى الماء ، وصراخ صغيرك إسماعيل في ذاكرة التاريخ ، ليعرف الأجيال من بعدك كيف يستنزلون رحمة الله ، وكيف يتعرضون لرحمة الله . إنّ رحمة الله - تعالى - واسعة لا شحّ فيها ولا نقص ، ولا عجز ، ولكن الناس لا يعرفون مواضع هذه الرحمة ومنازلها ، ولا يحسنون التعرّض لها والاستفادة منها . ومنك تعلمنا يا أمّنا ! كيف نطلب منازل رحمة الله ، وكيف نتعرض لرحمة الله ، ومنك يا أمنا أخذنا مفاتيح الرحمة . وعذراً يا أمنا ! إذا كنّا - نحن أبناؤك - لم نحفظ هذه المفاتيح التي سلّمتيها إلى إسماعيل من بعدك ، وتوارثها أبناء إسماعيل من إسماعيل ، وتوارثناها - نحن - من ابنك محمد المصطفى رسول الله ( ص ) فضيعناها فيما ضيعنا من تراث الأنبياء ومواريثهم . لقد تعلّمنا من أبينا إبراهيم ( ع ) كيف نوحّد الله ، وتعلمنا من أمّنا هاجر ( س ) كيف نسأل الله ، وفي متاهات الهوى والطاغوت ضيعنا هذا وذاك . فأعنّا اللهمّ ! على تحصيل ما ضيعناه من تراث أبينا وأمنا ( إبراهيم وهاجر ) ( عليهما السلام ) واجعلنا من أسرتهم ، ولا تطردنا ربنا ! من هذا البيت من آل إبراهيم وآل عمران .
--> ( 1 ) البقرة : 158