السيد علي الشهرستاني

36

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع

وكفّارة صوم شهر رمضان ، قد دلّ عليها حديث الأعرابيّ « 1 » ، ورواية أبي هريرة « 2 » ؛ وهكذا الأمر بالنسبة إلى غيرهما من الأحكام التخييريّة . . . أَمَّا فيما نحن فيه ، فلا دلالة قرآنيّة ، ولا نصّ من السنّة النبويّة ، ولا نقل من صحابيّ بأنّه ( ص ) فعلها على نحو التخيير ؛ وليس بأيدينا ولا رواية واحدة - وإن كانت من ضعاف المرويّات - مرويّة عن أَيٍّ من الفريقين تدلّ على التخيير ، بل الموجود هو التأكيد على صدور الفعل الواحد عنه ( ص ) وقد اختلفوا في ذلك ، فذهب بعض إلى أَنَّه ( ص ) غسل رجله ، وذهب البعض الآخر إلى أَنَّه ( ص ) مسح رجله ، واستند كلٌّ منهما إلى القرآن والسنّة على ما ذهب إليه . وإذا ما تتبَّع الباحث أَقوال علماء الإسلام فسوف يقف على أَنَّ الوضوء عندهم تعيينيّ لا تخييريّ ؛ فغالب أتباع المذاهب الأربعة يقولون بلزوم الغسل في الأَرجل لا غير ، أمّا الشيعة الإماميّة فإنَّهم لا يقولون إلَّابالمسح وحده ، وإنَّ كلًا منهما ينسب قوله - مضافاً إلى دعوى استظهاره من الكتاب - إلى فعل رسول اللَّه ( ص ) ، وهو ما جاء في صحاح مرويّاتهم . أمَّا القائلون بالجمع « 3 » أو التخيير « 4 » ، فإنَّهم إنَّما يقولون بذلك لا على أساس أنَّ النبيّ ( ص ) جمع أو خَيَّر ، بل إنَّ القائل بالجمع إنَّما يقول به لكونه مطابقاً للاحتياط ، وأنَّه طريق النجاة ؛ إذ الثابت عنده أنَّ الكتاب ورد بالمسح ، وأنَّ السنّة وردت بالغسل ، فأوجبوا العمل بهما معاً رعاية للاحتياط ، لا على أساس أنَّ النبيّ ( ص ) جمع بينهما ؛ وأنَّ ذلك هو المرويّ عنه ( ص ) . وكذا الحال بالنسبة للقائل بالتخيير ، فإنَّه إنَّما ذهب إلى ذلك لتكافؤ الخبر

--> ( 1 ) موطأ مالك 1 : 297 / 29 . ( 2 ) موطأ مالك 1 : 296 / 28 ، صحيح البخاريّ 3 : 41 ، صحيح مسلم 2 : 781 / 81 . ( 3 ) كالناصر للحقّ من أئمّة الزيديّة ، وداود بن عليّ الظاهري وغيرهما . ( 4 ) كالحسن البصريّ ، وأبي علي الجبائيّ ، وابن جرير الطبريّ وغيرهم .