السيد علي الشهرستاني

17

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع

تلك الأحاديث والأحكام باقية في مصنّفات أعلامنا - ولحدّ اليوم - لم يناقشها الباحثون ولم ينقدها الناقدون . علماً بأنّ ظاهرة نقد المتن - وكما قلنا - كانت شائعة في العهد الأول ، وعمل بها بعض التابعين ، ونراها أيضاً في كلمات فقهاء الإسلام والمحدثين ، فمثلًا حديث أبي هريرة « إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه » « 1 » نراه يخالف أوّله آخره ، لأنّ المصلّي لو وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير ، حيث إنّ البعير يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين ، فإذا نهض فإنّه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه على الأرض . كما أنّ بعض الُمحَدِّثين يروي عن عائشة عن رسول اللَّه أنَّه قال : « إنّ الحيضة سلّطت على النساء عقوبة لهنَّ » ، في حين أنّ هذا الخبر يعارض المنقول عنها ، وأن‌ّالحيضة مكتوبة علىكل‌ّامرأة ولا علاقة لها بالعقوبة ، فقد قال لها ( ص ) وهي معه في طريق الحج وقد رآها تبكي : « ما لك أنفست ؟ » قالت : نعم ، فقال ( ص ) : « إنّ هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج » « 2 » . وقال ( ص ) قريباً من هذا الحديث لأُمّ سلمة « 3 » . كذلك نلاحظ أنّ أبا هريرة يحدّث عن رسول‌اللَّه أنَّه قال : « خلق اللَّه التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم . . . حتى يعدّ خلق العالم في سبعة أيّام » « 4 » وهو مخالف لصريح القرآن الذي جاء في سبع آيات من سبع سور منه بأنّه سبحانه خلق العالم في ستّة أيّام « 5 » . وبناءً على ذلك فقد عرفنا بأنّ مناقشة دلالة النص ظاهرة عمل بها السّلف

--> ( 1 ) سنن أبي داود 1 : 222 / 840 ، سنن الدارمي 1 : 303 ، مسند أحمد 2 : 381 . ( 2 ) صحيح البخاري 1 : 81 ، وصحيح مسلم 2 : 873 / 119 . ( 3 ) سنن الدارمي 1 : 243 ، صحيح البخاري 1 : 82 بتفاوت . ( 4 ) أخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وأحمد والبخاري في التاريخ الكبير وغيرهم . ( 5 ) الأعراف : 54 ، يونس : 3 ، هود : 7 ، الفرقان : 59 ، السجدة : 4 ، الحديد : 4 ، ق : 38 .