السيد جعفر مرتضى العاملي
305
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
قد كان يجب أن يدخل مكّة فاتحاً بدون حرب ولا قتال ودعا الله سبحانه أن يمنع عن قريش العيونَ والأخبار . ومن غير الطّبيعي كتمان أمر عن أمّة بأسرها يستنفر منها عشرة آلاف مقاتل ليعالجوا نفس هذا الأمر المكتوم مع كثرة الموتورين والحاقدين في المنطقة ، ومع وفرة المنافقين المتربّصين بالإضافة إلى الّذين يبحثون عمّا يفيدهم في مصالحهم الشّخصيّة أو القِبَلِيّة أو غيرها . وخفاء هذا الأمر الخطير إلى هذا الحدّ وفي ظروف كهذه وفي هذا المحيط بالذّات يعدّ من أعظم الإنجازات ومن أجلّ التّوفيقات ويدلّل على التّدبير والضّبط الدّقيق للأمور من قِبَل رسول الله ( ص ) . اكتشاف تجسّس أبي بلتعة لقريش ومع هذا التّحفّظ الشّديد وتكتّمه عن سائر الناس سوى الخاصّة من أصحابه ، فقد تسرّب نبأ مسيرته إلى حاطب بن أبي بلتعة ، فكتب إلى قريش يخبرهم بالّذي عزم عليه رسول الله ( ص ) ، وأعطى الكتاب إلى امرأة من مُزَيْنَة وأعطاها مبلغاً من المال في مقابل إيصال كتابه لقريش ، فوضعت الكتابَ في رأسها وفَتَلَتْ عليه قرونَها ، وخرجت باتّجاه مكّة ، فنزل الوحي على الرّسول ( ص ) يخبره بما صنع حاطب . فأرسل النّبيّ ( ص ) من ساعته عليّاً والزّبير وأمرهما أن يُجدّا السّير في طلب المرأة قبل أن تفوتهما . فخرجا مُسرعَين ، فأدر كاالمرأة بالخَليقَة ؛ « 1 » خَليقة بني أحمد ، فاستنزلاها والتماسا الكتاب في رحلها فأنكرت وحلفت : أنّه لا شئ معها وبكت . فقال الزّبير : ما أرى يا أبا الحسن معها كتاباً ، فارجع بنا إلى رسول الله ( ص ) نخبره ببراءة ساحتها . فقال له أمير المؤمنين ( ع ) : يخبرني رسول الله ( ص ) أنّ معها
--> ( 1 ) 1 . الخليقة كسفينة : منزل على اثني عشر ميلًا من المدينة .