السيد جعفر مرتضى العاملي

256

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

تسبّبوا بنشوب الحرب . ويستوقفنا هنا قول رسول الله ( ص ) : يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب الخ . . . فإنّ نظرة منصفة إلى واقع الحال تعطينا : أنّ هذا الكلام من رسول الله ( ص ) ما هو إلّا رسالة ذات مغزي عميق ودقيق ، يريد الرّسول ( ص ) أن يوصلها إلى النّاس ، من أجل سوقهم نحو هدف يريد أن يصل إليه . مع ما في ذلك من إظهار درجة من العطف على هؤلاء الّذين يظلمون أنفسهم ويظلمون غيرهم وهم قريش ، أو على الأقلّ ، فيه ايحاءٌ بأنّ من الممكن التّجاوز عما مضى وأنّ الأمور بينه وبين قريش لم تصل إلى نقطة اللّارجوع . اتّصالات ومداولات لمّا اطمأنّ رسول الله ( ص ) بالحديبيّة أتاه بُديل بن وَرقاء في رجال من خزاعة ، فكلّموه وسألوه : ما الّذي جاء به ؟ فأخبرهم أنّه لم يأت يريد حرباً ، وإنّما جاء زائراً للبيت ، ومعظّماً لحرمته . فوعى بديل مقالة رسول الله ( ص ) ورجع إلى قريش وقال لهم : يا معشر قريش ، إنّكم تعجلون على محمّدٍ ، إنّ محمّداً لم يأت لقتالٍ وإنّما جاء معتمراً ، فاتَّهَموه وجَبَّهوه « 1 » وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالًا ، فوالله لا يدخلها علينا عامه هذا أبداً ، حتّى لا يبقى منّا رجلٌ . ثمّ بعثوا إلى رسول الله ( ص ) عروة بن مسعود الثّقفي ، فجاء رسولَ الله ( ص ) فقال : يا محمد ، إنّها قريش ، قد استنفروا لك الأحابيش « 2 » ومن أطاعهم ، قد لبسوا جلود النّمور ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عَنْوَةً أبداً . . . .

--> ( 1 ) 1 . جَبَّهوه : خاطبوه بما يكرهه ( 2 ) 2 . الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة ، وبنو الحرث بن عبد مناف ، وبنو المصطلق ، سمّوا بذلك لأنّهم تحالفوا تحت جبلٍ بمكّة اسمه حبشي .