السيد جعفر مرتضى العاملي

257

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

وجعل عروة يرمق أصحاب رسول الله ( ص ) بعينه . . . فإذا أمرهم بأمرٍ ابتدروا أمره ، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلوا على وضوئه ، ولا يسقط شىءٌ من شَعره إلّا أخذوه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يُحِدّون النّظر إليه ، تعظيماً له . فلمّا فرغ عروة من كلام رسول الله ( ص ) وردّ عليه الرّسول ( ص ) مثل ما قال لبُديل بن ورقاء ، أتى عروةُ قريشاً ، فقال : يا قوم ، إنّي وفدت إلى الملوك : كسرى وقيصر والنّجاشي ، وإنّي والله ما رأيت مَلِكاً قطّ أطوع فيما بين ظهرانيه من محمدٍ في أصحابه . والله إن رأيت ملكاً قطّ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمّدٍ محمّداً وليس بِمَلِكٍ . . . واعلموا أنّكم إن أردتم منهم السّيف بذلوه لكم وقد رأيت قوماً لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعتم صاحبهم . . . . فقالت قريش : لا تتكلّم بهذا يا أبا يعفور ، أوَ غيرك تكلّم بهذا ؟ ولكن نردّه عامنا هذا ويرجع إلى قابل . فقام الحُلَيْس بن علقمة وكان يومئذٍ سيّد الأحابيش ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائته . فلمّا أشرف على رسول الله ( ص ) قال ( ص ) : هذا من قومٍ يُعظمون الْبُدن ويتألّهون « 1 » ، فابعثوها له ، فبعثت له ، فلمّا رأى الهدى يسيل عليه من عُرض الوادي « 2 » عليها قلائدها ، « 3 » قد أكلت أو بارها من طول الحبس ، ثمّ رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ( ص ) إعظاماً لما رأى ، فقال لهم ذلك ، فقالوا له : اجلس ، فإنّما أنت أعرابي لاعلم لك ، فغضب وقال : والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم ، أيُصَدُّ عن بيت الله من جاء مُعَظّماً له ! والّذي نفس الحُلَيس بيده لَتُخَلُّنّ بين محمّد وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ بالأحابيش نَفرَة رجلٍ واحد . قالوا له : مَه ، كُفَّ عنّا يا حُليس حتّى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به . نجد أنّ جميع من جاؤوا من قِبَل قريش إلى النّبيّ ( ص ) لم يكن لديهم حجّةٌ

--> ( 1 ) 1 . يتألّهون : يتعبّدون ويعظمون أمر الإله ( 2 ) 2 . عُرْض الوادي : جانبه ( 3 ) 3 . القلائد : ما يعلق في أعناق الهدى ليعلم انّه هدى .