السيد كمال الحيدري
90
الدعاء إشراقاته ومعطياته
لا يتحقَّق امتثاله في هذه الحدود الضيقة من الدنيا ، فإنَّ غاية ما نحصل عليه في هذه الدنيا محطّات أوليّة من المعرفة الحقَّة ، فمن تحقّق معرفيّاً بهذه المحطّات المعرفية واعتقد أنّه بلغ غاية المطاف فهو واقع في مرتبة من مراتب الشرك ، بنحو من الأنحاء ، ولذلك فإنَّ العارف الحقّ لا يدَّعي لنفسه ذلك ، وكيف يكون ذلك وقد قال سيّد الأنبياء والمرسلين وسيّد العارفين بالله تعالى ( صلى الله عليه وآله ) : « ما عرفناك حقّ معرفتك » « 1 » ، ولذلك فمقتضى عدله إمهال خلقه إلى عالم آخر يُتمّمون فيه معارفهم الإلهية ، وكلٌّ بحسبه ، وذلك العالم المثالي الملكوتي يشرع فعلياً بوجهٍ عام « 2 » بعد انفصال الروح عن الجسد . إذا اتّضح ذلك نكون قد وقفنا عند جدوائية الدعاء لأهل البيت ( عليهم السلام ) بوجهٍ عامّ ، فإنهم ( عليهم السلام ) ماضون في سيرهم المعارفي في عوالمهم الأُخرى ليرتقوا أرفع المراتب ، ونحن في دعائنا لهم ( عليهم السلام ) نكون قد أسهمنا بمقدار ما نحن عليه من الإعانة في نيل المراتب الجديدة . الوجه الثاني : الوجه الآخر في جدوائية دعائنا لهم هو عائدية فيض الدعاء علينا ، كما هو الحال في أصل عبادتنا لله تعالى ، فإنَّ الله تعالى لا ينتفع بها البتّة ، وإنَّما أُمرنا بعبادته لأنَّ في ذلك صلاحنا وكمالنا ، وهكذا الحال بالنسبة لدعائنا لهم فإنَّه يُؤدّي إلى أمرين ، هما : الأوّل هو تأدية ما لهم من حقٍّ علينا ، وبذلك نكون مُستحقّين من الله تعالى الثواب والثناء ،
--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 66 ، ص 292 . ( 2 ) هنالك من يبدأ سيره الملكوتي قبل انفصال الروح عن الجسد ، ولكن لا يُتمّمه إلا بعد الانفصال ، والله العالم .