السيد كمال الحيدري
46
الدعاء إشراقاته ومعطياته
لا يريد مع الله سواه ، فجعلت أرعاه وأنظر إليه ، وهو يصلّي بخشوع وأنين وبكاء ، ويرتّل القرآن ترتيلًا ، فكلَّما مرَّت آية فيها وعدٌ ووعيد ردَّدها على نفسه ، ودموعه تجري على خدّه ، حتّى إذا دنا الفجر جلس في مصلّاه ، يُسبِّح ربَّه ويُقدِّسه ، ثم قام فصلّى الغداة ، وطاف بالبيت أُسبوعاً ، وخرج من باب المسجد ، فخرجت ، فرأيت له حاشية وموالٍ ، وإذا عليه لباس خلاف الذي شاهدت ، وإذا الناس من حوله يسألونه عن مسائلهم ، ويسلِّمون عليه ، فقلت لبعض الناس ، أحسبه من مواليه : من هذا الفتى ؟ فقال لي : هذا أبو إبراهيم ، عالم آل محمّد . قلت : ومن أبو إبراهيم ؟ قال : موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) . فقلت : لقد عجبت أن تُوجد هذه الشواهد إلّا في هذه الذرّية » « 1 » . أولوية الدعاء على السكوت والرضا من هنا يتَّضح لنا أولية سلوك طريق الدعاء على المكوث في دوائر الرضا ، والسكوت عمّا وقع ، فعلى أهمّية مقام الرضا وجلالته إلا أنَّه لا يكون بديلًا عن أصل الدعاء ، فإنَّ الدعاء عبادة في نفسه ، كما عرفت ، وسلوكه مُحصِّل لكمالٍ فيه ، بغضّ النظر عن تحقيق المدعوّ له ، وهذا لا يُنافي موضوعة الرضا كما توهَّم البعض ، فالرضا بالقضاء لا يمنع أسبقيّته وألحقيّته بالدعاء ؛ لعدم العلم بكون القضاء الواقع من الحتم ، فالقضاء منه المحتوم ومنه غير المحتوم ، كما سيأتي « 2 » .
--> ( 1 ) دلائل الإمامة ، محمد بن جرير الطبري ، تحقيق ونشر مؤسّسة البعثة ( قسم الدراسات الإسلامية ) ، ط 1 ، 1413 ه - ، قم المقدّسة : ص 317 ، الحديث : 6 . ( 2 ) سيأتي ذلك في موضوعة « علاقة الدعاء بالبداء » في الفصل السابع .