السيد كمال الحيدري

177

الدعاء إشراقاته ومعطياته

نراه يتوجَّه تلقائياً وغريزياً إلى الله تعالى ، يتوسّل به ليرفع عنه محنه ومصائبه ، وهذا النوع من التوجّه نحو الله لا يُعتبر كمالًا إنسانياً . والثانية : عندما يكون في حالة رخاء ، واطمئنان بالٍ ، ولكنه يعلم بأنَّ ما هو فيه من نعمة مُزجاة فمن الله ، وأنه تعالى هو القادر على أن يسلبه إيّاها ، كما هو القادر على أن يزيده منها . . . ، ولذا نجد هذا المخلوق الواعي حتّى وهو في رخائه وبحبوحة عيشه يتوجّه إلى ربّه بنفس مُتسامية مُشرقة ، داعياً إيّاه ، مُتوسّلًا به ليديم عليه نعمته ويزيده من فضله ، ويُبعده عن معصيته ليبعد غضبه سبحانه عنه ، ويُقرِّبه من طاعته ليؤدّي حقَّ شكره ، ولا إشكال في أنَّ هذا النوع من التسامي لمثل هذا المخلوق ينظر إليه بعين رحمته » « 1 » . ولأجل ذلك كلِّه لا ينبغي ترك الدعاء في السرَّاء والرخاء ، بل إنَّ تركه في حالة السرَّاء قد يكون مُؤشِّراً إلى حالة خطيرة جداً ، وهي الحالة الوصولية والنفاقية معاً ، وربَّما يكون ذلك مُؤشِّراً أيضاً على بروز حالات الرياء والعجب والتكبُّر ؛ قال تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( هود : 10 ) ، وقال تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( فصلت : 50 ) ، وفي ضوء ذلك يتبيّن لنا أنّ التواصل في الدعاء في السرّاء والضراء كاشف عن درجات إيمان العبد بربِّه سبحانه وتعالى ، فلا يأخذنا العجز عن ذلك ، لا سيَّما في السرَّاء

--> ( 1 ) انظر : محاضرات في الدين والاجتماع ، مصدر سابق : ص 121 .