السيد كمال الحيدري
162
الدعاء إشراقاته ومعطياته
والتشنيع في ذلك ما يكشف للعيان عن سوء فَهم واضح لدى الخصوم ، إما لشبهة اعترضتهم ، كما اعترضت اليهود في ذلك ، حتّى بلغ بهم الأمر أن يصفوا الله - جلَّت قدرته - بأنّ يده مغلولة ، وذلك في قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . . . ، فأجابهم سبحانه : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ . . . ( المائدة : 64 ) ، وإما لسوء قصد بعدما أدركوا ضرورته ، فمنعهم العود ولم يتقوا الله في أنفسهم ، فَهُم كما قال سبحانه : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( البقرة : 206 ) ، ونِعْمَ ما أوجزه فيهم السيّد المحقِّق الخوئي حيث يقول : « وأنهم لم يُحسنوا في الفَهم ، ولم يُحسنوا في النقد ، وليتهم إذ لم يعرفوا تثبَّتوا أو توقَّفوا كما تفرضه الأمانة في النقل ، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم ، والورع في الدين » « 1 » . وعلى أيّ حال ، فإنّ أعظم نقض يرد على النافين لمقولة البداء هو الدعاء نفسه ، فمن فَهم حقيقة الدعاء يكون مُلتزماً بالبداء ، ومن لم يلتزم بالبداء فإنه لم يفهم الأمرين معاً ، فالذي تعترضه شبهة في تصوير البداء فإنَّها ستعترضه شكلًا ومضموناً في تصوير حقيقة الدعاء ، وقوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( الرعد : 39 ) جارٍ في الأمرين معاً بلا فاصلة ولا تفصيل . وهل البداء إلا وجه من وجوه النسخ ، غاية الأمر أنه نسخ في عالم التكوين ، والنسخ الاصطلاحي يقع في عالم التشريع ، فمن تصوَّر إزالة
--> ( 1 ) البيان في تفسير القرآن ، للسيد أبي القاسم الخوئي ، نشر مؤسسة إحياء تراث الإمام الخوئي ( قدّس سرّه ) ، ط 1 ، 1413 ه - ، قم المقدّسة : ص 383 .