السيد كمال الحيدري
160
الدعاء إشراقاته ومعطياته
على عدم إرادة شيء آخر ، فالحاكم المطلق هو إرادة الله تعالى ومشيئته ، ومن جملة تلك الإرادة والمشيئة تعليقيةُ قانون العلّية على عدم إرادة الخلاف تبعاً للمصالح والمفاسد ، وهذا لا يعني تعطيل قانون العلّية ، وإنّما تحديد دوائر جريانه ، كما هو الحال تماماً بالنسبة للأحكام الشرعية الاختيارية المنفيّة بالأحكام الاضطرارية عند وقوع الضرورة . فأكل الميتة محرّمٌ قطعاً ، ولكنّ هذه الحرمة تعليقية ، بمعنى أنها مقيّدة بالاختيار ، فإذا اضطرّ العبدُ لأكل الميتة حفاظاً على نفسه المحترمة فإنّ الحرمة سوف تكون مرفوعة في حقِّهِ . في ضوء هذا الوجه الوجيه ، لك أن تفهم فلسفة الإعجاز بعدما وقع تخبّط كبير في تبريره ، حيث برّره المشهور بأنَّه كشف سرٍّ من أسرار الطبيعة ، خارجٍ عن قدرة إدراك البشر ، غيرِ خارق لنظام الطبيعة ، وقانون العلية ، فمعنى قولهم بأنَّ المعجزة أمر خارق هو أنَّها جاءت بسرٍّ وحقيقة بعيدة عن تناول عقول البشر ، ولكن دون أن تخرج عن نظام العلية ؛ فعلّة المعجزة هي كشف السرّ ، ممَّا يعني أنَّهم جعلوا نظام العلّية هو الحاكم الأوّل والأخير في الوجود ، فسلبوا الله تعالى سلطانه ، كما فعل المعتزلة أيضاً . إنَّ الاعتقاد بالحاكمية المطلقة لقانون العلّية لا يُبقي للإعجاز الحقيقي مجالًا ، ولا للدعاء معنى ، كما أنَّه يُغلق الباب تماماً بوجه البداء ، كما سيأتي . بل إنَّه تصريح بمقولة اليهود المُتقدِّمة ، وتلويح بالجبر . الوجه الرابع : ذُكر في البحوث الفلسفية أن عالم الإمكان له مراتبُ ثلاثة بينها علاقة وشيجة ، وهي علاقة العلّية والمعلولية ، وهذه العوالم هي : عالم العقل ( الجبروت ) وعالم المثال ( الملكوت ) وعالم المادّة ( المُلك ) ،