منيع عبد الحليم محمود
21
مناهج المفسرين
وكيف يجوز أن ينزل القرآن في وقت واحد . افعلوا كذا ولا تفعلوا . . ولم يفرض اللّه على عباده أن يحفظوا القرآن كله ، ولا أن يختموه في التعلم ، وإنما أنزله ليعملوا بحكمه ، ويؤمنوا بمتشابهه ، ويأتمروا بأمره ، وينتهوا بزجره ، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة ويقرءوا فيها الميسور . وكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورضى اللّه عنهم وهم مصابيح الأرض ، وقادة الأيام بمنتهى العلم ، إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع ، والبعض والشطر من القرآن الا نفرا منهم وفقهم اللّه لجمعه ، وسهل عليهم حفظه . . وكانت وفود العرب ترد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فيقرئهم شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا لهم . وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة ، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم ، وقصة لوط إلى قوم . فأراد اللّه بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ، ويلقيها في كل سمع ويثبتها في كل قلب ، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير . . وليست القصص كالفروض ، لأن كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانت تنفذ إلى كل قوم بما فرضه اللّه عليهم من الصلاة ، وعددها وأوقاتها والزكاة وسننها ، وصوم شهر رمضان وحج البيت ، وهذا ما لا تعرف كيفيته من الكتاب . . ولم تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الأنبياء ، وكان هذا في صدر الإسلام قبل إكمال اللّه الدين ، فلما نشره اللّه عز وجل في كل قطر ، وبثه في آفاق الأرض ، وعلم الأكابر الأصاغر ، وجمع القرآن بين الثقلين زال هذا المعنى واجتمعت الأنباء في كل مصر ، وعند كل قوم . . هذه بعض الملامح لتفكير ابن قتيبة وعلمه فيما يتصل بالقرآن . وكل