يوسف المرعشلي

1004

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

معهم من رجالات العرب وشبابهم لم يخطر على بالنا الانفصال عن الدولة العثمانية لا لأن الاستقلال عن دولة ضعيفة مريضة أمر مكروه ، ولكن لعلمنا أن تمرن الشعوب على أخلاق السيادة يحتاج إلى وقت ، فكان من مصلحة العرب في الدولة العثمانية أن تعترف لهم الدولة بلغتهم في الإدارة والتعليم في البلاد التي يتكلم أهلها العربية ، وألا تبلغ فيها الحماقة إلى حد أن يكون التعليم في بلادهم بلغة أجنبية عنهم ، وإلى حد أن تكون لغتها محرما عليها أن تكون لغة الإدارة والقضاء في صميم الوطن العربي » . ولما وصل إلى دمشق رأى أن الدولة لا تريد الاعتراف بجمعية النهضة العربية ، وأجبروا الجمعية على أن تجعل اسمها جمعية النهضة السورية . وفي هذه الأثناء تسنى له أن يشارك عمال جريدة القبس في تحرير ( طار الخرج ) الهزلية الناقدة التي نزل العدد الأول منها ، وبيعت نسخه بأضعاف ثمنه ، وانتبهت السلطات الحكومية للجريدة ، فأخذت في البحث عن طابعها وكاتبها فلم تعثر عليهما لأنهما مجهولان ، ولما أوشكت الحكومة أن تعرف الحقيقة سافر المترجم إلى بيروت ، فكتبت الحكومة إلى المسؤولين في بيروت لملاحقته ، فأبرقت الجمعية إليه باسم أصغر أعضائها جميل مردم ؛ لأنّ سنه يخفض المسؤولية والمؤاخذة بأن يسافر حالا إلى إستانبول ، فسافر وجدد قيده في الحقوق في السنة الثالثة على أمل إكمال الدراسة . وفي إستانبول سكن منزلا لطيفا في قرية ( بيكوز ) على البسفور هو وبعض أصدقائه ، وصار ينزل يوميا إلى إستانبول في باخرة خفيفة ، ثم يعود إلى القرية وبقي في إستانبول إلى صيف 1909 حين علمت حكومة سورية بوجوده في العاصمة التركية فلاحقته فيها بقضية جريدة ( طار الخرج ) ، فاقترح عليه أصدقاؤه السفر إلى مصر ليستقر . وصل إلى القاهرة في رجب 1327 ه / 1909 م وكان قبل ذلك باع منزلا له بدمشق وأسس بثمنه ( المكتبة السلفية ) مستعينا بعبد الفتاح قتلان ، وكان تأسيسها في البداية في مدخل خان الخليلي ، واقترح عليه أحمد تيمور باشا المشاركة في تحرير ( جريدة المؤيد ) للشيخ علي يوسف ، فكان موضع ثقته ، وكان الشيخ علي يوسف أستاذه الأول في الصحافة المصرية ، وكان من إخلاصه للصحافة أنه لما وقعت حرب ليبيا مع الطليان استأجر مسكنا مقابل دار المؤيد في شارع محمد علي لتوافيه البرقيات ؛ فينظم منها ملحقا صغيرا بالجريدة . وزادت ثقة الشيخ علي به فصار المترجم هو الذي يتخير للنشر ما يناسب ، وقد نشر نقلا مترجما عن ( مجلة العالم الإسلامي ) الفرنسية دراسة عن أعمال المبشرين البروتستانت في فصول متتابعة أثارت ضجة في القاهرة ، فضح فيها ما يراد بالمسلمين من كيد . ثم تأسس في القاهرة سنة 1331 ه / 1913 حزب اللامركزية العثماني برئاسة رفيق العظم ، وكان من رجاله رضا وإسكندر عمون ، وحقي العظم ، وداود بركات ، وكان محب الدين عضو مجلس الإدارة ، وكاتم السر الثاني . وتأسست في بيروت ثم في باريس جمعية ( العربية الفتاة ) ذات الدور العظيم ، فكان محب الدين يمثل هذه الجمعية بمصر ، وينفذ قراراتها التي لها علاقة بحزب اللامركزية . وفي هذه السنة 1331 ه / 1913 م أيضا أسس رشيد رضا ( مدرسة الدعوة والإرشاد ) فوقع اختياره على المترجم ليدرّس علم طبقات الأرض . وعندما وقعت الحرب العالمية الأولى قررت الجمعيات السرية ورجالات القومية العربية إيفاد مندوبين إلى زعماء العرب لمفاوضتهم في أمرها ، ليتخذوا موقفا ملائما مشتركا يعود إلى البلاد بالخير ، فاختير المترجم ومعه تلميذ له للسفر إلى الخليج العربي في محاولة للاجتماع بزعماء تلك المنطقة ، فسافر إلى عدن ، ثم بومباي حيث ضرب عليهما رقابة دقيقة حتى أبحرا إلى الكويت ، فاعتقلهما ضابط بريطاني ، ومكثا في السجن تسعة أشهر دون أن يتمكن من إتمام مهمته ، وعاد إلى مصر والحرب على أشدها والاضطهاد التركي في ذروته . وبعد إعلان الثورة العربية الكبرى طلبه الشريف حسين برقيا ، فسافر إليه في مكة المكرمة ليؤسّس المطبعة الأميرية ، وليصدر ( جريدة القبلة ) الجريدة الرسمية لحكومة الحجاز ، وكان الشريف حسين