يوسف المرعشلي
1005
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
يستشيره في أكثر أموره الخارجية هو والشيخ كامل القصاب بصفتهما من رجال جمعية العربية الفتاة وينزل عند رأيهما ، إن كان رأيهما مما يوافق هواه وإلا خالفهما ، وخاب أمل صاحب الترجمة بالشريف حسين . ولما دخل الجيش العربي دمشق بقيادة الأمير فيصل استأذن محب الدين الشريف حسين لزيارة دمشق مارا بالمدينة المنورة . وعند وصوله دمشق استقبلته ( جمعية العربية الفتاة ) ليكون عضوا في لجنتها المركزية التي تشرف على إدارة الدولة من وراء ستار ، وأنيط به إدارة وتحرير الجريدة الرسمية للحكومة باسم ( العاصمة ) ، وأبيح له أن يكتب مقالات توجيهية كما يشاء بلا مراقبة . وقامت المشكلات على إثر سفر الملك فيصل إلى فرنسا وعودته وإنذار غورو ومعركة ميسلون ، فتوارى المترجم عن الأنظار ، ثم تخفى ، وسافر برا مع قافلة تاجر جمال عن طريق فلسطين بصفة تاجر حتى وصل إلى يافا ، ومنها إلى القاهرة بالقطار . اشتغل بعد عودته إلى مصر بالتحرير في جريدة الأهرام نحوا من خمس سنوات ، وذلك حتى أواخر سنة 1925 م وكان خلال ذلك قد أسس إلى جانب المكتبة السلفية ومطبعتها مجلة ( الزهراء ) وهي مجلة أدبية اجتماعية شهرية ، دامت خمس سنوات بدءا من المحرم 1343 ه / آب 1924 م . ثم أسس جريدة ( الفتح ) في 22 ذي الحجة 1344 ه / أيار 1926 م وبقيت حتى أواخر سنة 1367 ه / تشرين الثاني 1948 م ، وخصصها للتاريخ والأحداث والسياسة . ثم تولى أخيرا تحرير مجلة الأزهر لعدة سنوات ، وفي سنة 1346 ه 1927 م بينما كان يتعاون مع دور النشر لإنشاء رابطة لهم بشكل نقابة دعاهم إبراهيم زيدان صاحب الهلال إلى عقد الاجتماعات بدار الشبان المسيحية ، فكانت فرصة ليتعرف إلى هذه المؤسسة التبشيرية الأمريكية ، ودارت في نفسه فكرة إنشاء جمعية للشبان المسلمين في القاهرة وغيرها ، فأنشأها خلال صعوبات ومشكلات جمة ، فكان عبد الحميد سعيد رئيسها الأول ، والدكتور يحيى الدرديري مراقبا عاما وعضوا في مجلس إدارة الجمعية ، والشيخ عبد العزيز شاويش وكيلا ، وأحمد تيمور باشا أمينا للصندوق ، ومحب الدين الخطيب كاتما للسر . وأحدث قيام الجمعية ردة فعل لدى دعاة الإلحاد والقائمين على التبشير ، فتربصوا به حتى وجهوا أنظار النيابة إلى مقال كتبه بعنوان ( الحرية في بلاد الأطفال ) نال فيه من ملك الأفغان ، ومن كمال أتاتورك فقبض عليه بجناية اتهام اثنين من رؤساء الدول الصديقة لمصر بالعيب ، وهذه تهمة يعاقب عليها القانون المصري ، وبذل أصدقاؤه الجهد في المرافعة ، فحكم عليه بالحبس شهرا مع وقف التنفيذ . وعملت الجمعية سنوات عديدة في توجيه الشباب إلى الإسلام الصحيح ، والسير في الطريق المؤدية إلى إعلاء شأن المسلمين . وهكذا ، وعلى هذا المنوال أمضى صاحب الترجمة حياته في مصر ، كان خلال أربعين سنة يعيش في القاهرة في دار تضم مكتبة ومطبعة ، يعمل بدأب أكثر ساعات اليوم ، يشارك العمال أعمالهم ، ولا ينام إلا قبيل الفجر ، يحرر ويؤلف ويطبع إذا اضطر الأمر ، ليس عنده وقت فراغ حتى ليذهب إلى الطبيب ، ولهذا فقد ارتأى خلع أسنانه حتى لا يضطر لزيارة الطبيب مرة بعد المرة ، يسر لرؤية إخوانه ، ويعتذر عن رد الزيارة ، وقد كان في الليلة التي توفي فيها يصحح صفحات كتابه الأخير « توضيح الجامع في الصحيح » للإمام البخاري . ترك آثارا عظيمة قال عنها الأستاذ أنور الجندي : « وبالجملة فإن السيد محب الدين الخطيب وآثاره تعد رصيدا ضخما في تراثنا العربي وفكرنا الإسلامي ، قد أضاف إضافات بناءة ، وقدم إجابات عميقة ، وزوايا جديدة لمفاهيم الثقافة العربية وقيمها الأساسية . ويقول أيضا : « قدم السيد محب الدين الخطيب للأمة العربية منهاجا متكاملا ونظرة متوازنة ، ورؤيا شاملة في مجال الفكر والمجتمع والحياة كانت بالحق عصارة تجربته وخلاصة خبرته ونتاج قراءاته . وهو من أوائل المفكرين والأدباء الذين لفتوا النظر إلى خطر العدو الصهيوني منذ أمد طويل حين كشف حقائق الصهيونية وأسرارها ، وكشف عن دور اليهود