يوسف المرعشلي

1003

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

واهتم أن يعرف البلد الذي هو فيه ، وأن يتصل بأهل الثقافة والنباهة وضباط الفرقة الرابعة عشرة من الجيش العثماني السابع في الحديدة ، وكان يقصد لأجل ذلك مقهى كازينو البلدية الذي يمر به بعد الظهر أغلب الموظفين والضباط . وانعقدت بينه وبين قائد الحديدة البكباشي شوقي المؤيد العظم صداقة وثيقة ، وكاشفه بأمر جمعية الشورى العثمانية ، فاهتم بها ، وأرشده إلى طائفة من الضباط الأحرار الذين كان إبعادهم إلى اليمن عقوبة لهم ؛ لكراهيتهم للحكم الفردي وميلهم إلى الحرية . . فلم يلبث أن افتتح الفرع الرابع عشر للجمعية المذكورة ، وكان رئيسها شوقي المؤيد العظم . وكان من اتصال صاحب الترجمة بالمحاكم اكتسابه صداقات كثيرة مع رئيس محكمة التجارة ، والقاضي الشرعي ، وبعض الموظفين الممتازين منهم صالح قتلان الدمشقي ؛ مدير عامر البرق والبريد . كما تعرف إلى كثير من تجار البلد يلتقي بهم في بعض مقاهي البلد . وكان خلال ذلك يواصل الكتابة إلى دمشق وإستانبول والقاهرة ، متعهدا جمعية النهضة العربية ، ولا سيما مركزها الجديد في دمشق ، ومكاتبا جمعية الشورى العثمانية . ولما أعلن الدستور العثماني على أثر ثورة أنور ونيازي في أواسط تموز سنة 1908 م تجاهلت الجهات الرسمية في اليمن كل ذلك ، وكأنه لم يكن ، فعمل المترجم متفقا مع إخوانه الضباط على وضع السلطات تحت الأمر الواقع ، فأحضروا صواريخ الابتهاج ، ومشاهد الزينة ، وأقاموا احتفالات وألقوا خطبا بالتركية والعربية ، ودعوا إلى انتخاب من ينوب عن الأمة في مجلس المبعوثان ، مع التبليغ بهذا العمل سائر المدن اليمنية عن طريق البرق ؛ مما أوقع المفاجأة في قلوب المسؤولين . ولاحظ المترجم في أثناء إقامته باليمن مدرسة أميرية تافهة ، ومديرها شبه عامي ، فدعا أصدقاءه أعضاء الجمعية ليتطوعوا للتدريس في هذه المدرسة بالمجان ، فوافقوا ، وطلب من أصدقائه التجار التبرع بأقمشة خفيفة لصنع بذلات للتلاميذ وبشراء أحذية لهم . وعمل لهم المترجم أناشيد ، ورفده شوقي المؤيد العظم بضابط عسكري لتعليمهم الرياضة والتعليم العسكري ، فكثر عدد التلاميذ حتى صاروا 300 تلميذ ، تلقى عليهم أرقى المناهج . وسعى في الحديدة كذلك إلى تأسيس حركة صحافية وطباعية تنهض بالمستوى الفكري والثقافي ، فأسّس شركة مساهمة قيمة كل سهم جنيه استرليني ذهبي للعمل على إصدار جريدة باسم ( جريدة العرب ) ، وأنشأ مطبعة باسم ( مطبعة جزيرة العرب ) ، وقبل الدخول في التنفيذ تلقّى المترجم رسائل من دمشق تلحّ عليه بضرورة العودة ، فتوقّف العمل . وفي ذلك الحين ثار الإمام يحيى مع رجاله على الدولة العثمانية ، فرأت جمعية الشورى العثمانية التي تحولت إلى جمعية الاتحاد والترقي أن تكتب له ، تعرض عليه اقتراحا بأن تتولى الجمعية الكتابة إلى إستانبول والمراجع العليا بأن الإمام يحيى لم يثر ضد الدولة ، بل ضد الظلم ، وهو مستعد للتفاهم معها على أن تعترف له في اليمن بمثل المركز الذي لشريف مكة في الحجاز ، وأن يكون هو المرجع في الشؤون الدينية والأوقاف ، وللدولة الشؤون السياسية والعسكرية والمالية ، فوافق الإمام على الاقتراح وعلى تسليم الأسرى الثلاث مئة الذين في حوزته ، وقام المترجم بالكتابة بهذا إلى الإمام يحيى ، وذهبت المكاتبات إلى المراجع العليا ، وتم الاتفاق بين اليمن والدولة على ما هو معلوم ، واستمر معمولا به حتى نهاية الحرب العالمية الأولى . وعلى إثر ذلك وقبل مغادرة محب الدين الحديدة أرسل إلى الإمام بكتاب توديع ، فرد عليه بكتاب ثناء لم يصدر عنه مثله لأحد . وفي 21 المحرّم سنة 1327 ه ترك المترجم الحديدة متوجها إلى دمشق ، بنية العمل على تجديد نشاط جمعية النهضة العربية داخل نطاق الدستور العثماني ، وعلى أن يتمتع العرب بالنظام الدستوري ، وأن يتعرفوا إلى عروبتهم ويحيوا مآثرهم بأخلاق السيادة والحكم في ظل الرابطة العثمانية ، متبعين سنن سلفهم الأول ، وعاملين بالأنظمة التي توصلهم إلى عصر حديث . وقال صاحب الترجمة : « إني أقر بكل صدق بأني أنا وجميع من استعنت بهم ، وتعاونت