يوسف المرعشلي
1002
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
مباركة ، واقترح أن يسمي عملهم باسم ( جمعية النهضة العربية ) . ورغبهم بمطالعة الصحف التي كان قد اتّفق مع صديقه الأستاذ محمد كرد علي أن يرسلها إليه في البريد . ورأى صاحب الترجمة توسيع العمل ، فاتفق مع أعضاء الجمعية على جذب الشباب إلى أحد المقاهي لميلهم إليها ، فاتفقوا مع صاحب القهوة التي تم اختيارها ووعدوه بتحسين حال قهوته بأدواتها وكراسيها وجلبوا إليها ( غرامافون ) وأسطوانات عربية ، فأخذ الشباب يقبلون على المقهى ، وانعقدت صداقات بأعضاء الجمعية التي أخذت تتوسّع . وشعر الشباب بحاجتهم إلى حفل متسع لتبادل المشاعر والأفكار الجدية والآمال المتفتحة بعيدا عن عيون المراقبة التركية ، فتم الاتفاق على الاجتماع في جزيرة ( بيوك اضه ) في حديقة واسعة لأحمد باشا الزهير من أعيان البصرة . وفي الحفل ألقى صاحب الترجمة خطبة طويلة بعنوان « واجباتنا » ، ثم ألقى الأمير عارف الشهابي قصيدة بعنوان « نحن والأغيار » . واشتدّ هذا النشاط الطارىء ، وشعرت به الرقابة التركية ، وأمسكت بخيوطها ؛ ففتشت غرفته وفيها أوراق وجرائد عربية ومجلات مهجرية وكتب غير كتب الدراسة ، ولكنّ الذي تولّى كبس الغرفة فريد باشا اليافي الذي تربطه بأسرة الخطيب رابطة وشيجة ، فحذّره ووجّهه إلى وجوب التخلص مما يثبت الشبهات ، وأعلمه أنه مراقب هو وزملاؤه منذ مدة ، وأنه إذا لم يغير ما هو فيه وقع ما لا يحمد عقباه ؛ فأحرق الجرائد والأوراق ، وأودع الكتب عند صديق له إيراني من تجار التبغ والسجائر . بعد ذلك اكتفى صاحب الترجمة بكلية الحقوق ، وانقطع عن كلية الآداب نظرا لاتساع نشاطه الخارجي ، ولما نجح إلى السنة الثالثة كانت الخطة أن يتفرغ في العطلة المدرسية لمواصلة العمل في جمعية النهضة لولا أن شدة ( البوليس الحميدي ) حملته باقتراح من إخوانه أن يسافر إلى دمشق ، وكان قد كتب إلى اثنين من خلصائه في دمشق يخبرهما بتأسيس جمعية النهضة العربية في إستانبول ويدعوهما للالتحاق بها ، وأن يتعاونا بعد ذلك على تأسيس فرع لها في دمشق ، فانتهز صاحب الترجمة هذه العطلة ، وتعهّد فرع الجمعية هذا حين قدومه دمشق صيف 1335 ه / 1907 م ، وفي أثناء العطلة تلقّى رسالة من صديقه عارف الشهابي يطلب إليه فيها البقاء في دمشق مدة سنة إلى أن تهدأ الحالة في إستانبول ، وتنقطع الرقابة على الجمعية وأعضائها ، وذلك بسبب ظهور لغط ومصاعب جديدة . وحدث في هذه الأثناء أن طلبت القنصلية البريطانية في الحديدة باليمن إلى القنصلية في دمشق أن تختار لها شابا يتقن العربية والتركية ، وأن يكون له إلمام بالقوانين العثمانية وشؤون القضاء ، فالتحق بها ورآها فرصة للتعرف على اليمن ، ومرّ في طريقه بمصر ليلتقي بشيخه الشيخ طاهر الجزائري ، وصديقه محمد كرد عليّ ويتصل بزعماء النهضة المصرية ، وقبل مغادرته دمشق أقيمت له حفلة بمناسبة تأسيس جمعية النهضة العربية وبمناسبة وداعه ليسافر إلى أفق جديده من آفاق العمل . ولم يسافر إلا بعد أن توطدت أمور الجمعية ، واطمأنت القلوب إلى مستقبلها . وفي مصر اتصل بالأعلام والأدباء ، واجتمع بأركان ( جمعية الشورى العثمانية ) الذين كانوا يطالبون للبلاد بالحكم النيابي ، وإعلان الدستور ، ووضع حد للحكم الفردي ، وكان منهم : عبد اللّه جودت الأديب التركي ، ورفيق العظم ، ورشيد رضا ، وآخرون ، وذكروا أن لجمعيتهم في البلاد العثمانية ثلاثة عشر فرعا ، وأنهم يرغبون في توسيع نشاطهم داخل البلاد العربية ، فوعدهم أنه سيعمل لذلك في اليمن ، وكتبوا له تفويضا ليتخير لجمعيتهم من العثمانيين الرجال الصالحين والسعي لتأسيس الفرع الرابع عشر . ولما وصل الحديدة كان حوله جماعة من الصحب خففوا عنه الوحشة ، وكان عمله حضور جلسات في المحاكم عندما تكون فيها لأحد رعايا القنصلية قضية ليطمئن باسم القنصلية على سير العدالة فيها ، وهو لذلك يجلس مع رجال المحكمة ، ولكن لا رأي له فيما يتولونه ويتداولونه .