يوسف المرعشلي
1345
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ثم رحل إلى المدينة المنورة على منوّرها أفضل الصلوات والتسليمات ، فلازم فيها كبار العلماء خاصة المالكية منهم العلامة أحمد بن محمد خيرات الشنقيطي التندغي ت 1336 ه ، قرأ عليه « الدردير على مختصر خليل » و « الرسالة البيانية » للدردير أيضا ، و « سيرة ابن هشام » ، و « المعلقات السبع » ، و « ديوان النابغة » ، و « سنن أبي داود » ، وقطعة من أشعار الصحابة ، وله مقروءات أخرى عليه . ومنهم العلامة المشهور حمدان بن أحمد الونيس المتوفى سنة 1338 ه ، لازمه كثيرا ، وقرأ عليه « تفسير الجلالين » ، و « ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل » مع حاشية الخضري » ، وحصل له منه فوائد جمة . ومن مشايخه بالمدينة المنورة أيضا الشيخ عبد العزيز التونسي ت 1336 ه ، قرأ عليه قسما كبيرا من « موطأ مالك مع شرح الزرقاني » ، وقطعة من « مختصر خليل » ، ومن باب الإضافة إلى باب المنادى من « ألفية ابن مالك بشرح الأشموني » . ومنهم أيضا اللغوي الشهير محمد محمود الشنقيطي ، قرأ عليه « المعلقات السبع » و « نظم أنساب العرب » للبدوي الشنقيطي . وله مشايخ آخرون بالمدينة المنورة . وبعد دخول الشريف حسين بن علي المدينة المنورة ، ارتحل إلى دمشق الشام ، كما خرج من المدينة أكثر سكانها منها بحكم الضرورة ، فمكث فيها أشهرا في ظروف عصيبة لم يتمكن فيها من الدراسة على العلماء ، فكان يتردّد على مكتبة الملك الظاهر المعروفة بالظاهرية ، وأحيانا يزور دار الحديث الأشرافية ، غير أنه كان كثير التردّد إلى مسجد بني أمية للصلاة فيه ، ثم خرج من دمشق قاصدا أم القرى والحروب لا زالت تشتعل ، فقطع طريقا ممتلئا بالمخاطرات ، وتحمل فيه المكابدات ، إلى أن وصل مكة المكرمة في شهر رجب الفرد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة ، فاستأنف الدراسة في حلقات العلم بالمسجد الحرام ، فحضر على الشيخ عبد الرحمن الدهان ت 1337 ه - دروسا في فنون شتى ، فمما قرأه عليه « شرح زكريا الأنصاري على إيساغوجي بحاشية العطار » ، وحضر على الشيخ مشتاق أحمد الهندي « شرح القطبي على الشمسية بحاشية السيد » بحث التصورات فقط . وختم مع الإقراء أو المطالعة كثيرا من الكتب الكبيرة والصغيرة والأجزاء والرسائل جلّها في الطبقات والتراجم والسير والتاريخ . وفي سنة 1338 ه عيّن مدرّسا بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة نظرا لمزيد تفوقه ونبوغه ، فدرّس عدة فنون منها النحو والصرف والبيان والفقه والحديث والتفسير والفرائض والسيرة والتجويد والتاريخ الإسلامي . كما اشتغل بالتدريس في الحرم الشريف ، فدرّس الحديث والتفسير والأصول والبلاغة والتاريخ الإسلامي ، وختم الطلاب عنده بالحرم كتبا كبارا منها : « الصحيحين » و « موطأ مالك » ، و « الجامع الصغير » للسيوطي ، و « تفسير البيضاي » ، و « النسفي » و « ابن كثير » ، و « جمع الجوامع » ، و « سيرة ابن هشام » ، و « عقود الجمان » و « الإتقان في علوم القرآن » ، و « مغني اللبيب » لابن هشام ، وغيرها . وانتفع به خلق كثير ، وتخرّج به الجمّ الغفير ، فتجد تلاميذه وتلاميذهم يدرسون بالحرم الشريف ، ومن أجلّ من قرأ عليه واستفاد منه : العلامة السيد علوي بن عباس المالكي ، والعلامة الشيخ محمد بن نور سيف بن هلال عافاه اللّه ، والعلامة السيد محمد أمين كتبي عافاه اللّه ، وغيرهم ممن درس بالحرم المكي . واستفاد الناس منه ، وتخرّج به عدد من أصحاب الفضيلة . ويقول السيد محمد أمين كتبي في مدح شيخه صاحب الترجمة : من كان يعتز في علم وفي أدب * بشيخه فأنا أعتز ( بالعربي ) شيخ تمكّن فيه الفضل فانبثقت * أنواره فحكت سيارة الشهب وكان من عادته أن يدرّس بالحرم خمس ليال بالأسبوع مع الدروس التي كان يلقيها بالفلاح ، ثم اقتصر أخيرا على التدريس ليلتي الجمعة والسبت يدرّس فيهما « الجامع الصغير » للحافظ السيوطي و « السيرة » ، مع استمرار الدروس في منزله لكبار الطلبة يوميّا من الضحى إلى الظهر ، ثم في المساء في شتى الفنون ، واستمر على حاله إلى أن أصيب بالفالج ، ثم انتقل إلى رحمة اللّه تعالى في صفر الخير سنة 1390