يوسف المرعشلي
1346
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ه بمكة المكرمة ، وبقي بعد وفاته والناس يأتون إليه أفواجا ويتلون عنده القرآن ، وكان له مشهد عظيم ولفراقه حزن كبير رحمه اللّه وأثابه رضاه - وبعد دفنه بالمعلا كشف عن قبره عدة مرات في سنوات متعددة ، فإذا بجسده الشريف كما هو ، ورائحته زكية ، فسبحان اللّه المنان . كان المترجم ذا فهم ثاقب ، وذكاء مفرط ، ومن التواضع ودماثة الخلق على جانب عظيم ، وكان يشفق كثيرا على المؤمنين ، ويحب الصوفية والفقراء ، عليه هيبة ووقار ، حسن التقرير في درسه مع التوسع في الشرح والبيان ، عامر الوقت بالذكر والمذاكرة ، داعيا إلى اللّه بحاله وقاله ، شديدا على أهل العناد وأدعياء العلم ، غير مكترث بأذاهم ، وله رحمه اللّه رأي في التأليف والكتابة فقال في ذيل كتابه « محادثة أهل الأدب بأخبار وأنساب جاهلية العرب » ص 140 : لا أميل إلى التأليف عملا بنظرية القائل ما ترك الأول للآخر شيئا ، وكادت هذه - النظرية أن تكون صحيحة منطبقة عندي على العلوم العربية والشرعية بجميع فنونها ، فمنذ قرون متعددة انقطع المستنبطون والمجددون والمستخرجون للنكت البديعة في هذه الفنون ، وصار المؤلف الحاذق الذي يستطيع أن يلخص كلام السابقين من المصنفين ويخرجه للناس في أسلوب حسن ، هذه الطائفة الحاذقة في التلخيص والتمحيص يمكن أن يقال إنهم بقوا بكثرة وافرة إلى آخر المائة العاشرة ، وبعدها صار المؤلفون يعمدون إلى الكتب المبسوطة السلسة العبارة ، السهلة الفهم فيعقدونها مبالغة منهم الاختصار . إلى أن قال : واستغفر اللّه أن أقول هذا هضما لحقوق العلماء الشارحين والمحشيين ، فإنهم عندي بالمكان الأعلى من التوقير والاحترام ، وما من شرح وحاشية إلا وفيه فوائد ، ولكن أقول هذه الكثرة لم تنتج شيئا يقارب علم الأقدمين ، فضلا عن مساواته ، بل أظهرت فضل المتقدمين . ثم نقل عن أبي الحجاج البلوي الأندلسي صاحب كتاب « ألف باء » قوله « خذ من هاهنا ، وضع هاهنا ، وقل مؤلفه أنا » وقال : وقد كنت سمعت من شيخي الشيخ حمدان الونيسي رحمه اللّه يقول : التأليف في هذا الزمان ليس بمفخرة . ا ه . والناظر يرى أن مولانا الشيخ العربي رحمه اللّه صاحب الرأي ، جيد النظر ، قوي التصرف والإدراك مع الأدب الجم ، فهو لا يغلق الباب ، ولكنه يقيّم أعمال المتأخرين بالنسبة للمتقدمين ، ولكن قول القائل : ما ترك الأول للآخر شيئا عليها ما عليها . وللّه در ابن مالك حيث يقول : وإذا كانت العلوم منحا إلهية ، ومواهب اختصاصية ، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين . ا ه . وهذا مشاهد ملموس ، ففي المتأخرين أفذاذ فاقوا بعض السابقين ، وضرب الأمثال مما يطول المقام . أما قول أبي الحجاج البلوي الأندلسي : خذ من هاهنا إلخ ، فهذا يصدق على البعض لا الكل واللّه أعلم . وللتأليف مقاصد ذكرها الإمام أبو محمد بن حزم في كتابه « التقريب لحد المنطق » ، وكذا الحافظ السيوطي في « التعريف بآداب الحديث » . وفي كتب المصطلح جملة وافرة من شروطه وآدابه وفوائده . وللمترجم مصنفات نافعة مفيدة رغم رأيه المذكور في التصنيف ، فكتب من أجل تصحيح بعض الأخطاء والرد على المخالفين : - « إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة » . - « تنبيه الباحث السري إلى ما في رسائل وتعليقات الكوثري » . - « النصيحة والاستدراكات على كتاب المحاضرات » . للخضري أو « تحذير العبقري » . - « اعتقاد أهل الإيمان بنزول المسيح ابن مريم عليه وعلى نبينا السلام آخر الزمان » . وكتب في ترتيب ما تناثر وجمع الفرائد : - « محادثة أهل الأدب بأخبار وأنساب جاهلية العرب » . - « خلاصة الكلام فيما هو المراد بالمسجد الحرام » . - « إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها إلى الأموات » . ومما انفرد به في هذا العصر رده على العلامة ابن القيم في بعض المسائل ذكرها في « زاد المعاد » وكتاب آخر كبير اسمه « براءة الأشعريين » . والكتب