يوسف المرعشلي
1341
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ومن الطبقة الثالثة الشيخ محمد الناشد ، والشيخ حامد هلال ، والشيخ أحمد الحجار ، والشيخ عبد الرحمن الدايم ، وغيرهم . وكل طبقة شاركت من قبلها في الحضور . * تقلّده المناصب الشرعية أول ما تقلده من الوظائف رئاسة كتاب المحكمة الشرعية « 1 » في حلب في عهد القاضي العالم العادل حسين توفيق أفندي وذلك سنة 1300 ، وكان ذلك بإلزام من والي حلب جميل باشا ، وبقي في هذه الوظيفة إلى سنة 1303 ، ففيها استعفى منها حينما استعفى القاضي حسين توفيق . وفي سنة 1304 عيّن أمينا للفتوى لما عيّن الشيخ أحمد الزويتيني للإفتاء بإلحاح منه ، ثم أعيد لرئاسة الكتاب في المحكمة الشرعية في زمن ولاية القاضي مصطفى رشدي أفندي ، ثم استقال حينما انفصل القاضي الموما إليه ، ثم أعيد في أوائل عهد القاضي تحسين بك ، ثم استقال حينما تحول تحسين بك قاضيا للآستانة سنة 1308 ، ثم أعيد في أوائل عهد القاضي محمد مكي بك سنة 1309 ، وبقي إلى سنة 1311 ، إلى أن انفصل القاضي محمد مكي بك ، فاستقال هو أيضا ، ودعي بعد ذلك إلى هذه الوظيفة فلم يوافق . * سفره إلى القسطنطينية في سنة 1332 دعته مشيخة الإسلام من الآستانة ليكون معاونا لأمانة الإفتاء فيها ، فأجاب بعد إلحاح من جلال بك والي حلب وقتئذ ، فسافر إليها في جمادى الآخرة من هذه السنة ، فبقي في الآستانة نحو خمسة أشهر ، ورغما عما لاقاه هناك من الإعظام والتقدير وأسباب الراحة لم يطب له المقام هناك . أولا : من جهة حنينه إلى أوطانه ، وعدم صبره على مفارقة عائلته وهو في سن الشيخوخة . وثانيا : من انزعاجه من برد القسطنطينية ، فإنه رحمه اللّه كان شديد التأثر من البرد حتى كان يلبس الصوف في بيضة الصيف . فلذلك استأذن بالعود إلى حلب ، فعاد إليها في ذي القعدة من السنة المذكورة ، وكان يوم عوده يوما مشهودا أيضا ، لخروج كثير من العلماء والوجهاء والناس لاستقباله ، ولما توجهت للسلام عليه في داره في المحلة المعروفة بابن يعقوب ، شرع يحدثنا عن حسن المكان الذي كان ساكنا فيه وارتفاعه وما هناك من المناظر الطبيعية البديعة ، ثم قال : ومع كل هذا فإني أفضّل داري هذه على كل ذلك ، ومنشأ ذلك ما قدمناه . وقد منحته الدولة العثمانية حين عوده لحلب رتبة الحرمين المحترمين . ولما احتلت الجيوش العربية الفيصلية حلب ، وغادر حلب الحكام الأتراك ومن جملتهم القاضي سليمان سرّي ، وتشكلت الحكومة العربية وذلك سنة 1337 ، عيّن من قبل الأمير فيصل ( ملك العراق الآن ) قاضيا لحلب ، فكان على شيخوخته يطالع أوراق الدعاوى ويدقّقها ويقول : لا يمكنني التوقيع على ورقة يصحّخها غيري ، وبعد بضعة أشهر عيّن لمجلس التمييز في دمشق ، فلم يوافق على ذلك لعدم مساعدة سنه للسفر ، فاستعفى ولزم بيته مقتصرا على تدريس الفقه والحديث فيه إلى حين وفاته . * ما يؤسف عليه منه أما ما يؤسف عليه منه فهو أنه رحمه اللّه عمّر طويلا . وبلغ سنّا عالية ، ولم يخط لبني قومه أثرا علميّا يتمتعون بفرائده ويقتبسون من فوائده ، فقد مضى ومضى معه ذلك العلم الواسع والضوء الساطع ، ولعمري لو كان ممن يميل إلى فكرة الأخذ من مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم من الأئمة المعتبرين مما يتراءى أنه أقوى دليلا أو أوفق لمصلحة الناس أو أرفق بهم لكان وحده ، لما آتاه اللّه من سعة العلم ودقة النظر ، كفؤا لأن يقوم بوضع هذا الكتاب الذي يرى الأمة الإسلامية في حاجة شديدة إليه ، كما قدمناه آنفا في ترجمة الشيخ محمد الحنيفي . على أنه إن لم يكن ممن يميل لوضع كتاب على
--> ( 1 ) كانت رئاسة كتابة المحكمة إذ ذاك تسمى نيابة الباب ، لأن صاحبها يقوم بوظيفة القاضي ، من سماع الدعاوى ، والشهادات وهو الذي يقضي ، وأما القاضي فإنما يختم الأعلامات ، ويحضر مجلس الإدارة ، واستئناف الحقوق ، وغيرها .