يوسف المرعشلي

1342

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

هذه الطريقة ، فكان ينبغي على الأقل أن يعتني بتنقيح كتاب « الدر المختار » و « حاشيته » للعلامة ابن عابدين ، اللذين سبرهما سبرا وقتلهما خبرا ، وذلك بأن يدمجهما ككتاب واحد ، ويختصر ويحذف منه ما يتعلق بالانتقادات اللفظية ، ويلحق منه المستطردات بأبوابها ، وينبه على ما فيه من المؤاخذات والأبحاث المعترضة ، ويقتصر فيه على نتائج الأبحاث ، وبذلك يصغر حجمه ، ويسهل مراجعته ، ويقرب من يد المتناول ، ويصلح لأن يدرّس في المدارس العلمية الدينية بسهولة ، ويكون الأصل أمّا يرجع إليه وقت اللزوم . ولا شك أن هذا أيضا أمر يحتاج إلى عناية شديدة ، ورسوخ في العلوم ، وكان هو رحمه اللّه سداد هذا الثغر وكفؤ هذا الأمر . وقد تراآى لنا أن السبب في عدم تصديه للتأليف ، هو أنه لما اشتد غاربه ولمعت بوارق براعته . التفت الناس إليه في أمورهم ، وتحرير معاملاتهم وصكوكهم ، إذ كانوا لا يركنون في مسائلهم الهامة إلا إليه ، ولا يعولون إلا عليه ، ومعظم مسائل الحقوق والمعاملات كانت عائدة إذ ذاك للشرع الشريف ، فلم يكن يجد فراغا أصلا ، بل كانت أوقاته مستغرقة في تدريسه وفي أمور الناس . ولما كثرت المحاكم النظامية والمحامون والنظاميون ، وصارت أكثر معاملات الناس نظامية ، قلّت علائق الناس معه ، ولكن كان قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا ، فلم تعد قواه تعينه على ذلك ، وعلى كل فلا يخلو الحال من الأسف على عمل كان جديرا به . * صفاته وأخلاقه : كان رحمه اللّه ذا همة عالية ، ونفس أبية ، وعزيمة صادقة ، لا يشغله شاغل عن الجد والعمل ، فلا تلقاه إلا في المطالعة لدروسه أو قراءة لها أو إملاء على كاتب ، وكان إذا أملى لا يحتاج أن يضرب على شيء مما كتبه إلا نادرا . وكان كثير التعبد والتلاوة للقرآن وكان حصيفا ، حازما ، يقظا ، وافر العقل ، مطلعا على مجريات الأحوال ، خبيرا بأحوال الناسّ ، عارفا بمقامهم ، ينزل كل إنسان منزلته ، وكان له المقام الأعلى في المجامع ، وهو الصدر في المجالس ، وله الكلمة العليا إذا التفت المحافل ، لا تنعقد هيئة علمية للتداول في أمر هام ويكون فيها فيجسر أحد على الكلام ، بل ينتظرون ما يصدر عن رأيه الصائب وفكره الثاقب ، فيكون قوله فصل الخطاب . وكثر لكثرة فضله حاسدوه ، ولم يخل من انتقاد بعض الناس له ، شأنهم في كل رجل ألبسه اللّه ثوب نعمة وفضل من مال وعلم ، على أننا لا ندعي أن شيخنا كان من المعصومين ولا ممن لم تبدر منهم هفوة في مدة حياتهم ، وأي رجل يقارع الرجال وينازل الأبطال في معترك هذه الحياة ولا تقع منه زلة ولا يعرف له خطأ ولا تبدر منه هفوة ، وأظن أنا لو طلبنا هذا الرجل لتطلبنا المستحيل من الأمور . ولا ريب أنه إن كان له هفوات بدرت منه فإنها لا تعد شيئا مذكورا بجانب كثرة صوابه وجليل محاسنه ، ولا بد للجواد من كبوة وللسيف الصقيل من نبوة ، وحسبنا أن نقول فيه : ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معائبه وكان عظيم التواضع ، يأنس بالعوام كثيرا ويحتمل منهم ، وكان سخي اليد له صدقات كثيرة . وكان مربوع القامة إلى الطول أقرب ، جميل الطلعة ، دري اللون ، عظيم المهابة والوقار ، كما تراه في رسمه الذي أخذ حينما أزمع على السفر إلى الآستانة بالإلحاح الشديد من أبنائه وعائلته من غير رغبة منه ، ولذا تراه فيه عابسا ، وكانت سنه 75 سنة . وكانت وفاته ليلة السبت المصادف للثلاثين من المحرم سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وأربعين ، ودفن من الغد في مدفن التكية المولوية ، وكان له مشهد عظيم لم يعهد له نظير ، شهد تشييعه ألوف من الناس على اختلاف طبقاتهم ، وقد أرخ بعض الأدباء وفاته بقوله ( قمر غاب 1343 ) ( بأرض الشهباء 1343 ) ورثاه حفيده الشاب النجيب الشيخ مصطفى بقصيدة طويلة في 29 بيتا ومطلعها : أفض على مهجتي ما شئت يا دهر * واصبب صروفك ما شاءت لك الغير وختمها بقوله : أيا إمام النهى يا كعبة الفضلا * يا عمدة الدين يا فاروق يا عمر لئن أفلت عن الدنيا ومظهرها * فذاك مجدك في الأيام مستطر